الغناء والموسيقى
لقد كتب هذا البحث قبل اكثر من عقدين.. وكان يرغب سماحة السيد الكاتب - دام ظله - في تاخير نشره ريثما تسنح له الفرصة باعادة النظر فيه مجددا.. غير اننا آثرنا نشره عاجلا رغبة في افادة طلاب العلم ورواده..(التحرير)
الحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
اولا: حكم الغناء لا اشكال في حرمة الغناء في الجملة، لاستفاضة الاخبار بذلك ، وفيها ما هو تام سندا.
والغناء هو الصوت المطرب، ولا فرق بين كون الطرب بنحو يورث البكاء او الفرح، فان ذلك كله طرب وخفة، ويستعمل للتلهي والتلذذ سواء كان التلذذ بالالحان المفرحة او بالتنفيس عن الهموم والاحزان عن طريق الاستعانة بالالحان المبكية . وليس المفهوم من الغناء الا امثال هذه الالحان المستعملة عادة للتلهي والتلذذ باحد الشكلين.
قال في لسان العرب: «الغناء من الصوت ما طرب به»(1).
وفسر في الصحاح الطرب بمعنى: «خفة تصيب الانسان لشدة حزن او سرور»(2).
وذكر في الصحاح ان «الغناء - بالكسر - منالسماع»(3).
وفي لسان العرب: «الغنى من المال مقصور ومن السماع ممدود، وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب – غناء . والغناء بالفتح النفع، والغناء بالكسر من السماع»(4).
وايضا في لسان العرب: «كل ما التذته الاذن من صوت حسن سماع. والسماع الغناء. والمسمعة المغنية»(5).
ويبدو ان التعابير المختلفة تشير الى معنى واحد، وهو انحاء الصوت المعروفة للهو واللعب.
وعلى اي فتكفي في حرمة الغناء - كما قلنا: - الروايات المستفيضة مع صحة اسانيد بعضها، من قبيل: 1 - رواية زيد الشحام قال: «قال ابو عبد اللّه(ع): بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا يدخله الملك»(6).
2 - وايضا رواية زيد الشحام قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن قوله عز وجل: (واجتنبوا قول الزور)(7) قال: «قول الزور الغناء»(8) . وكلتا الروايتين تامتان سندا.
3 - ورواية حمران عن ابي عبد اللّه(ع) في حديث قال: «...
فاذا رايت الحق قد مات وذهب اهله، ورايت الجور قد شمل البلاد...ويستمر في ذكر شياع الفحشاء والفساد الى ان يقول : ورايت الملاهي قد ظهرت يمر بها لا يمنعها احد ، احدا ولا يجتري احد على منعها...»(9).
وهذه الرواية وان كان لا يمكن ان يستفاد منها حرمة مطلق مايسمى لهوا ولكن الغناء او بعض اقسامه هو من ابرز مصاديقها.
نعم قد لا يتم فيها الاطلاق لمطلق اقسام الغناء. وهذه الرواية ايضا تامة سندا.
وليست حرمة الغناء خاصة بايجاده وقراءته بل تشمل الاستماع ايضا، وذلك لبعض الروايات التامة سندا: 1 - كرواية علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر(ع) قال: سالته عن الرجل يتعمد الغناء يجلس اليه؟ قال :«لا»(10).
2 - ورواية محمد بن مسلم عن ابي الصباح او محمد بن مسلم وابي الصباح عن ابي عبد اللّه(ع) في قول اللّه عز وجل: (والذين لا يشهدون الزور)؟(11) قال: «الغناء»(12).
وان امكن المناقشة في دلالة الرواية الاخيرة بانه لعل شهادة الغناء لا تشمل مطلق الاستماع اليه بل تختص بحضور مجلسه ، فلعل حرمته من باب حرمة حضور مجالس المعصية.
3 - ورواية عنبسة عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع»(13) اللهم الا ان يناقش في دلالة هذه الرواية على اكثر من الكراهة.
وعلى اي حال فلا اشكال في تمامية دلالة الرواية الاولى.
المستثنيات من حرمة الغناء: وقد وردت في الروايات لحرمة الغناء عدة استثناءات: الاول - الحداء صوت يرجع فيه للسير بالابل، وذكر الشيخ (رحمه اللّه) في المكاسب: «لم اجد ما يصلح لاستثنائه مع تواتر الاخبار بالتحريم، عدا رواية نبوية - ذكرها فيالمسالك(14) - من تقرير النبي(ص) لعبد اللّه بن رواحة حيث حدا للابل، وكان حسن الصوت»(15).
وذكر الشهيدي (رحمه اللّه) في تعليقته على المكاسب(16) عن الصدوق (رحمه اللّه) انه روى باسناده عن السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه(ع) قال: «قال رسول اللّه(ص): زاد المسافر الحداء، والشعر ما كان منه ليس فيه خناء». ورواه البرقي في المحاسن عن النوفلي عن السكوني نحوه والخناء بفتح اوله : الفحش.
وقد ظهر بذلك ان الحداء بعنوانه غير مستثنى، لان ادلته ضعيفة سندا. والرواية الاخيرة ذكرها في الوسائل عنالصدوق، ولكن قال: «ليس فيه جفاء وفي نسخة ليس فيه خناء» وقال: الخنا من معانيه الطرب(17).
وعلى اي حال فقد عرفت ان الحداء بهذا العنوان لم يثبت استثناؤه. الا انه بالامكان المناقشة في اطلاق دليل حرمة الغناء بنحو نحتاج في الحداء الى مخصص يخرجه، وذلك بان يقال بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع: ان المفهوم عرفا من دليلحرمة الغناء حرمة الغناء اللهوي او التلهي بالغناء، اما الحداء بهدف تسيير الابل لا بهدف التلهي فهو غير مشمول لاطلاق الدليل، على انه قد يقال بعدم حرمة الغناء غير المقترن بالموسيقى على ما سوف ياتي في المستثنى الرابع ، فلا موضوع لاستثناء الحداء.
الثاني - الغناء بالقرآن، فقد ورد عن ابي بصير بسند تام قال : قلت لابي جعفر(ع): اذا قرات القرآن فرفعت به صوتي جاءني الشيطان؟ فقال: «انما ترائي بهذا اهلك والناس. فقال: يا ابا محمد اقرا قراءة ما بين القراءتين تسمع اهلك ورجع بالقرآن صوتك ، فان اللّه عز وجل يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعا»(18).
وقد حملها الشيخ الحر العاملي على التقية قائلا: «هذا محمول على التقية، لما ذكرنا من معارضة الخاص وهو الحديث الاول اي رواية عبد اللّه بن سنان ، والعام وهو كثير جدا قد تجاوز حد التواتر...»(19).
اقول: ان حمل هذه الرواية على التقية ان كان بسبب تعارضها مع مطلقات حرمة الغناء فهي تتقدم عليها بالاخصية، ولا تصل النوبة الى الحمل على التقية.
وان كان بسبب تعارضها برواية اخرى، وهي رواية عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «قال رسول اللّه(ص) اقراوا القرآن بالحان العرب، واياكم ولحون اهل الفسق واهل الكبائر ، فانه سيجيء من بعدي اقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شانهم» ورواه الطبرسي في مجمع البيان عن حذيفة بن اليمان عنالنبي(ص)، ورواه الشيخ بهاء الدين في الكشكول مرسلا(20) .فهذه الرواية غير تامة سندا، فلا توجب حمل معارضها علىالتقية.
على ان الحمل على التقية هنا غير محتمل، اذ اي داع للامام (ع) للحث على هذا الغناء وجعله مستحبا؟! افلم يكن بامكانه (ع) ان يكتفي بفرض الجواز؟! بل اي داع للترخيص هنا تقية افليست حرمة الغناء كحرمة الفقاع مما لا مورد فيه للتقية؟! لانه ليس ذكر الحكم الواقعي فيه وهو الحرمة موجبا لابتعاد الامام(ع) عن الامة وتقليل تاثيره (ع) فيهم؟! ولذا ترى ان الائمة (ع) لم يتقوا في حرمة الفقاع.
نعم، لولا ضعف سند الحديث لكانت الروايتان تتساقطان بالتعارض فكنا نرجع الى العموم الفوقاني.
وعلى اي حال، فرواية ابي بصير لا تدل على جواز الغناء بالقرآن على الاطلاق اي حتى عند قراءته بالموسيقى، وغاية ما تدل عليه هي جواز قراءة القرآن بترجيع الصوت.
وهناك رواية اخرى غير تامة سندا تدل على عدم مرغوبية الغناء بالقرآن بالمزامير بل مطلقا، وهي رواية عبد اللّه بنعباس عن رسول اللّه(ص) في حديث قال: «ان من اشراط الساعة، اضاعة الصلوات، واتباع الشهوات ، والميل الى الاهواء - الى ان قال : فعندها يكون اقوام يتعلمون القرآن لغير اللّه ويتخذونه مزامير، ويكون اقوام يتفقهون لغير اللّه، وتكثر اولاد الزنا، ويتغنون بالقرآن... الخ»(21).
وعلى اي حال، فرواية ابي بصير وان كانت خاصة بتجويز الغناء في القرآن ولكن لا يبعد التعدي عرفا الى كل ما يذكر بالحق كالمناجاة مع اللّه او مدح الائمة(ع) او النصائحوالمواعظ وما شابه ذلك.
هذا، وبالامكان القول بان ترجيع الصوت بالقرآن وبالمناجاة ومدح الائمة وبالمضامين الحقة غير مشمول لاطلاقات دليل حرمة الغناء، لان المفهوم منه بمناسبات الحكم والموضوع انما هو ما يصنعه اهل الفسق والفجور من التلهي بالغناء، ولا يشمل ترجيع الصوت بالمضامين الحقة المساعد لتاثيرات تلك المضامين الحقة في النفس.
ولعل المقصود من التغني بالقرآن المذموم في الرواية الاخيرة غير التامة سندا ايضا - هو التغني بمعنى قراءته بالحان لهويةوالتلهي به، لا مجرد الترجيع المساعد لتاثير القرآن فيالنفس.
الثالث - غناء المغنية في الاعراس، والدليل على ذلك ما نقل عنابي بصير بمتون ثلاثة كلها تامة السند:
1 - ما عن ابي بصير قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن كسبالمغنيات؟ فقال: «التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى الى الاعراس ليس به باس، وهو قول اللّه عز وجل: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيلاللّه )(22)»(23).
2 - ما عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «المغنية التي تزف العرائس لا باس بكسبها»(24).
3 - عن ابي بصير قال: قال ابو عبد اللّه(ع): «اجر المغنية التي تزفالعرائس ليس به باس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال»(25).
والمتن الثالث فيه دلالة على ما هو اوسع من عنوان غناء المغنية في الاعراس، وذلك لان ظاهره هو انه (ع) بعد ان نفى الباس عن اجر المغنية التي تزف العرائس اراد ان يوضح عدم الباس في ذلك ببيان مغايرة هذا العمل مع ما هو المحرم، وهو عمل التي يدخل عليها الرجال.
اذا فالحرام هو غناء المغنية التي يدخل عليها الرجال، اما الغناء غير المقترن بشيء من هذا القبيل فليس حراما.
ولا اقصد بذلك ان الغناء ليس حراما اطلاقا، وانما الحرام ما قد يقترن به من دخول الرجال عليهن، فان هذا خلاف قاعدةتقييد المطلق بالمقيد، فان المطلقات دلت على حرمة الغناء مطلقا، وهذه الرواية تتقدم على المطلقات بالاخصية، وليس معنى التقييد عزل العنوان المحمول عليه الحكم في المطلق عنكونه بعنوانه موضوعا لذلك الحكم.
اذا فمقتضى الجمع بين المطلق والمقيد هو ان الغناء المقترن بدخول الرجال عليهن حرام، لا ان هذه الضميمة هي الحرامفحسب.
هذا، ولا يخفى ان هذه الرواية ليست لها دلالة على انحصار ما يستوجب ضمه الى الغناء للحكم بحرمة الغناء في دخولالرجال على النساء، فلا تعارض بينها وبين ما سياتي في المستثنى الرابع من الرواية الدالة على حرمة الغناء المقترنبالمزمار، على انه لو فرض التعارض كان اطلاق الحصر مقيدا بتلك الرواية.
هذا، وبالامكان ان يقال: ان هذه الرواية لا تدل على ما هو اوسع من عنوان غناء المغنية في الاعراس، بمعنى تحليل الغناء غير المقترن بعنوان آخر من قبيل عنوان دخول الرجال عليها،وذلك لان غناء المغنية في الاعراس ليس بطبعه مما لا يدخلفيه الرجال عليهن، بل هو ينقسم الى قسمين: فاما ان يدخل الرجال عليهن، واما ان لا يدخلوا، فالمقصود منقوله: «ليست بالتي يدخل عليها الرجال» هو ان القسم الذي حللناه هو القسم الخالي عن دخول الرجال عليها، فلا يدل على اكثر من جواز غناء المغنية في مجالس العرس الخالية عنالرجال.
الرابع - الغناء غير المقترن بالموسيقى، ومقتضى ذلك جواز الغناء الخالي عن الموسيقى حتى في غير مثل القرآن. وهذا ما دلت عليه رواية علي بن جعفر في كتابه عن اخيه قال: سالته عن الغناء هل يصلح في الفطر والاضحى والفرح؟ قال: «لا باسبه ما لم يزمر به». ورواها ايضا عبد اللّه بن جعفر في (قرب الاسناد) عن عبد اللّه بن الحسن عن علي بن جعفر، ولكنه قال: «مالم يعص به»(26).
والمتن الثاني غير تام سندا، والمتن الاول هو التام سندا، وهو دال على ما ذكرناه في عنوان هذا المستثنى. وهذا ايضا لا يحمل على ان الحرام هو الموسيقى او المزمار فحسب دون ذات الغناء- لو قلنا بان الموسيقى ليس غناء - فان هذا خلاف قانون تقييد المطلق بالمقيد، كما شرحناه في المستثنى الثالث.
ومقتضى قانون التقييد - لو سلم عدم صدق الغناء على الموسيقى - هو ان يقال: ان الغناء اذا اقترنت به الموسيقى اصبح حراما، واذا لم يقترن بالموسيقى لم يكن حراما.
الا ان هذه الرواية معارضة برواية اخرى، وهي رواية عبد الاعلى قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن الغناء وقلت: انهم يزعمون ان رسول اللّه(ص) رخص في ان يقال: جئناكم جئناكم حيونا حيونا نحييكم؟ فقال: «كذبوا، ان اللّه عز وجل يقول: (وما خلقنا السماء والا رض وما بينهما لاعبين - لو اردنا ان نتخذ لهوا لأتخذناه من لدنا ان كنا فاعلين - بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون)(27) ثم قال: ويل لفلان مما يصف، رجل لم يحضر المجلس»(28). فهذه الروايةتدل على عدم الترخيص في قول: «جئناكم جئناكم... الخ» بشكلالغناء رغم عدم افتراض السائل اقتران ذلك بالمزمار او الموسيقى، فهي تعارض الرواية السابقة لكنها ضعيفة سندا،فتصبح الرواية السابقة بلا معارض.
وقد تلخص من كل ما ذكرناه ان الغناء وحده ليس حراما ، وانما يحرم اذا اقترن بدخول الرجال على النساء او بالموسيقى ، وان الغناء بالقرآن ونحوه بلا موسيقى ليس حراما ولا مكروها ، واما الغناء بالاشعار اللهوية من دون اقتران بدخول الرجال علىالنساء ولا اقتران بالموسيقى فهو مكروه، لان اللهو - على الاقل- مكروه في الاسلام، كما دلت على ذلك روايات مضى بعضها وما مضت من رواية عنبسة لو قلنا انها لا تدل في الغناء على اكثر من الكراهة، فهي دالة على كراهة الغناء غير المقترنبالموسيقى، ولم يرد عليها مخصص عدا ما مضى من روايةجواز الغناء في القرآن والترغيب فيه. وقد ثبت بظواهر بعضالنواهي السابقة حرمة الغناء اللهوي. هذا كله في الغناء.
ثانيا: حكم الموسيقى واما الموسيقى فلأثبات حرمتها عدة طرق: الطريق الاول: التمسك بالروايات الواردة في الموسيقى منقبيل كثير من روايات الباب 100 من ابواب ما يكتسب به منالوسائل(29) وغيرها.
وما رايته بالنسبة للموسيقى مما يكون تاما سندا هو: 8 - رواية اسحاق بن جرير قال سمعت ابا عبد اللّه(ع) يقول : «ان شيطانا يقال له القفندر اذا ضرب في منزل الرجل اربعين صباحا بالبربط ودخل الرجال وضع ذلك الشيطان كل عضو منه على مثله من صاحب البيت ثم نفخ فيه نفخة فلا يغار بعدها حتى تؤتى نساؤه فلا يغار»(30).
2 - ورواية علي بن جعفر الماضية: عن اخيه سالته عن الغناء هل يصلح في الفطر والاضحى والفرح؟ قال: «لا باس به ما لم يزمر به»(31).
الا انه قد يناقش في دلالة الرواية الاولى بانها لعلها تنظر الى حرمة دخول الرجال على النساء، فانها لم ترد في مطلق الضرب بالبربط، بل وردت في خصوص فرضية دخول الرجال على الاهل والعائلة بقرينة قوله: «ودخل الرجال»، وقوله: «فلا يغار بعدها حتى تؤتى نساؤه فلا يغار».
كما قد يناقش في دلالة الرواية الثانية - لو قلنا بان الضرببالمزمار ليس وحده غناء - بانها انما وردت في الغناء المصاحب لاستعمال المزمار، ولا تدل على حرمة الضرب بالمزمار حينما يكون منفصلا عن الغناء.
ولكن قد يدعى ان روايات حرمة الموسيقى رغم ضعف اكثرها سندا يكاد يبلغ حد الاستفاضة.
الطريق الثاني: التمسك بما ورد في تحريم الملاهي، وقد مضت الاشارة الى حديث تام السند، وفيه: «ورايت الملاهي قد ظهرت يمر بها لا يمنعها احد»(32). وهذا المتن وان لم يكن يستفاد منه الاطلاق لكن المتيقن عرفا من حرمة الملاهي حرمة الغناء والموسيقى، وايضا مضت رواية عنبسة استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع»(33). وقد يقال : ان هذه الرواية لا تدل على اكثر من الكراهة.
الطريق الثالث: دعوى دلالة روايات حرمة الغناء للموسيقى،بدعوى شمول مفهوم الغناء للموسيقى حيث فسرت الغناء فياللغة بالصوت المطرب وبالسماع، والاول او كلاهما يشمل الموسيقى. ويشهد لذلك تعبير الشيخ الطوسي(رحمهاللّه) فيالخلاف حيث قال: «الغناء محرم سواء كان صوت المغني او بالقصب او بالاوتار مثل العيدان والطنابير والنايات والمعازف وغير ذلك، واما الضرب بالدف في الاعراس والختان فانه مكروه... الخ»(34).
يبقى الكلام في امور: الامر الاول: ان الموسيقى هل يحرم استماعها ايضا او لا ؟ والجواب هو حرمة الاستماع، وذلك على اساس الطريق الثالث من طرق اثبات تحريم الموسيقى لو قلنا به، وكذلك على اساس الطريق الثاني، اذ لو قلنا بدلالة رواية عنبسة على الحرمة فالامر واضح، والا كفتنا رواية «ورايت الملاهي... الخ»(35) ، لان المفهوم عرفا وبمناسبات الحكم والموضوع من دليل حرمةالملاهي هو حرمة التلهي بها بلا فرق بين استعمالها او استماعها.
بل ولعل الامر كذلك على اساس الطريق الاول ايضا بناء على ان ادلة تحريم الموسيقى - وكذا الغناء - يفهم منها عرفا ايضا لنظر الى جانب التلهي بها، فلا يفرق بين الاستماع والانشغالالمباشر بذلك.
نعم، لا دليل على حرمة سماع الموسيقى بلا استماع، كما لادليل على حرمة سماع الغناء كذلك.
الامر الثاني: ان حرمة الموسيقى مشروطة بكونها مطربة ولو بمعونة ما تقترن به او مقترنة بالغناء المطرب، اي ان الحرام انما هو الموسيقى بالنحو المرسوم عند اهل اللهو. اما لو لم تكن كذلك فلا دليل على حرمتها، لا من الوجه الثالث لعدم صدق الغناء بلا اطراب، ولا من الوجه الثاني، لعدم ثبوتحرمة ما يكون لهوا على الاطلاق - نعم يمكن القول بكراهة الموسيقى اللهوية غير المطربة تمسكا بمثل رواية عنبسة(36) أولا من الوجه الاول، لان استفاضة روايات ضعيفة السند لو ثبتت لا تثبت اطلاقا من هذا القبيل.
الامر الثالث: الموسيقى الحماسية يمكن القول بحليتها، لعدمدلالة شيء من الوجوه الثلاثة على حرمتها: اما الوجه الاول، فلان استفاضة روايات ضعيفة السند لو تمت لا تثبت اطلاقا من هذا القبيل.
واما الوجه الثاني، فلان الموسيقى الحماسية لو استعملتبداعي التهيج للحرب اذا ليست لهوا كي يشملها دليل حرمةاللهو، ولو استعملت بعنوان التلهي فقد قلنا انه لم يثبت بدليلحرمة اللهو حرمة اللهو مطلقا.
واما الوجه الثالث، فلو ثبت صدق الغناء على الموسيقى الحماسية بان يفرض ان الطرب الماخوذ في مفهوم الغناء يعنيمطلق الخفة لا خصوص الخفة الناشئة من الفرح او الحزنامكن ان يقال: ان دليل حرمة الغناء ينصرف بمناسبات الحكم والموضوع الى ما هو المتعارف في مجالس اللهو والطرب والموجب للرقص او على الاقل للذة الناشئة من البكاء اللهوي ، اما ما لم يكن بطبيعته لاجل اللهو والتلهي بل كان لاجل خلق الحماس فدليل الحرمة منصرف عنه. ويؤيد ذلك ان طبول الحرب كانت متعارفة في عصر النصوص، ولم نر نصا ورد على حرمته بالخصوص، فهذا على الاقل يدل على حلية الموسيقى الحماسية في حين استعمالها في سبيل الهدف النزيه.
الامر الرابع: ان حرمة الموسيقى المطربة لا تختص بمثل المزامير والاعواد، بل تشمل مثل الدفوف والطبول، وذلك على اساس الوجه الثاني والثالث، دون الوجه الاول، لان ما يدل في الوجه الاول على حرمة مثل الدفوف والطبول ليس على مستوى الاستفاضة، وهو ضعيف سندا.
وقد يقال: ان الرواية الثانية المذكورة في الوجه الاول(37) تدل على جواز الغناء بغير مثل المزامير حتى ولو كان بمثل الدفوف والطبول، وذلك لانه (ع) نفى الباس عن الغناء ما لم يزمر به . ولكن احتمال كون المزمار مثالا لمطلق الموسيقى موجود.
لا اقول : انه ينعقد لعقد المستثنى في الحديث اطلاق لمطلق الموسيقى، ولكن اقول : لا ينعقد لعقد المستثنى منه ايضا اطلاق ينفي الباس عن الغناء المقترن بالموسيقى غير المزمار.
الامر الخامس: لا تختص حرمة الموسيقى بما اذا كانت فيضمن الغناء، بل الموسيقى الخالية عن قراءة اي شيء ايضا حرام للوجه الاول والثاني وكذلك الثالث لو قبلناه.
المصادر
1- لسان العرب 10 : 137 ، مادة (غنا) .
2- الصحاح 1 : 171 ، مادة (طرب) .
3- الصحاح 6 : 2449 ، مادة (غنى) .
4- لسان العرب 10 : 135 ، مادة (غنا) .
5- لسان العرب 6 : 365 ، مادة (سمع) .
6- الوسائل 11 : 278 ، ب49 من جهاد النفس ، ح22 . وأيضا 12 :225 ، 99 ما يكتسب به ،ح1.
7- الحج : 30 .
9- الوسائل 11 : 515 516 ، ب 45 من الأمر والنهي ، ح 6 .
10- الوسائل 12 : 232 ، ب 99 مما يكتسب به ، ح 32 .
11- الفرقان : 72 .
12- الوسائل 12 : 226 ، ب99 مما يكتسب به ، ح3 .
13- الوسائل 12 : 235 236 ، ب101 مما يكتسب به ، ح1 .
14- انظر المسالك 14 : 181 . وانظر البيهقي 10 : 227 .
15- مكاسب الشيخ الانصاري (تراث الشيخ الاعظم) 1 : 313 .
16- ص 78 .
17- الوسائل 8 : 306 ، ب 37 من آداب السفر ، ح 1 .
18- الوسائل 4 : 859 ، ب 24 من قراءة القرآن ، ح 5 .
20- المصدر السابق : 858 ، ح 1 .
21- الوسائل 11 : 278 ، ب 49 من جهاد النفس ، ح 22 . وأيضا 12 :230 ، ب 99 ما يكتسب به ، ح 27
22- لقمان : 6 .
23- الوسائل 12 : 84 ، ب 15 ما يكتسب به ، ح 1 .
24- المصدر السابق : 84 85 ، ح2 .
25- المصدر السابق : 85 ، ح2 .
26- الوسائل 12 : 85 ، ب 15 ما يكتسب به ، ح 5 .
28- الوسائل 12 : 228 ، ب 99 ما يكتسب به ، ح 15 .
29- انظر : الوسائل 12 : 232 235 .
30- الوسائل 12 : 232 ، ب 100 ما يكتسب به ، ح 1 .
31- انظر : الوسائل 12 : 85 ، باب 15 مما يكتسبه ، ح 5 .
32- الوسائل 11 : 516 ، ب 45 من الامر والنهي ، ح 6 .
33- الوسائل 12 : 235 236 ، ب 101 مما يكتسب به ، ح 1 .
34- الخلاف 3 : 345 ، كتاب الشهادات ، مساءلة 55 .
35- الوسائل 11 : 516 ، ب 45 من الامر والنهي ، ح6 .
36- الوسائل 12 : 235 236 ، ب 101 مما يكتسب به ، ح1 .
37- وهي رواية علي بن جعفر : الوسائل 12 : 85 ، مما يكتسب به ،ح5 .

