الاستنساخ البشري
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين .
ان الثورة العلمية التي تحدث في كل زمان حديثا جديدا بعد آخر قد وفقت حسب ما يقوله علماء الفن الجيني وغيرهم لاستنساخ عضو او نبات او حيوان بطرق مختلفة مبينة، وقد ينتهي الامر الى استنساخ الانسان، ولذلك فعلى العالم الديني المسلم ان يبين حكم ذلك بالنسبة للانسان بعد ان ياخذ بعين الاعتبار ما يقوله اولئك العلماء فيبيان ماهية الاستنساخ حسب ما ابرزوه في كتبهم، فلابد لتبيين المطلب من ذكر مقدمات:
المقدمة الاولى:
ان جسم كل شيء مادي من الانسان والحيوان يتالف من اجزاء صغيرة متصلة، وكل جزء لا يكون اصغر منه يسمى بالخلية، والخلية ذات غشاء خاص لها نواة هي بمنزلة لب الخلية ومادة سائلة تحيط بالنواة يعبر عنها بالسائل الخلوي او السيتوبلازم، وفي داخل النواة شبكة مكونة من ستة واربعين شريطا تسمى ب «الكروموزومات».
والخلايا الجسدية كلها على هذا العدد من الاشرطة باستثناء الخلايا الجنسية اعني خلايا المني الذي تفرزه الخصية في الرجال وخلايا بييضة النساء التي يفرزها المبيض فان هذه الخلايا الجنسية وان شاركت خلايا الجسم في اشتمالها على غشاء خاص وعلى السائل الخلوي «السيتوبلازم» والنواة، ولكن نواتها تحتوي على ثلاثة وعشرين كروموزوما لا على ستة واربعين.
المقدمة الثانية:
ان تكون الانسان او الحيوان الذي تلده امه بطريق الحمل والتوالد الطبيعي يكون باختلاط واندماج خلية المني من الاب وخلية البييضة من الام في داخل رحم الام لدى الانزال، وتتحقق بالاندماج خلية جديدة واجدة لستة واربعين كروموزوما هي مجموع كروموزومات خلية المني والبييضة، وتتغذى هذه الخلية داخل الرحم وتتكثر، فتنقسم الىخليتين ثم اربع خلايا ثم ست عشرة ثم اثنتين وثلاثين.
وكل هذه الخلايا امثال سواء من جميع الجهات والخصوصيات، الا انها اذا بلغت الاثنتين والثلاثين لا تتكاثر مثل السابق بهذه الخصوصيات، بل تصبح كل خلية منها موظفة باعمال خاصة حسب ما قدره اللّه تعالى في الانسان والحيوان من الاعضاء المختلفة التي يتكون منها ، فمنها مايكون الجلد ، ومنها ما يكون اللحم ، ومنها ما يكون العظم او المخ او القلب... وما الى ذلك، فكانه ليس في كل واحدة منها الا مبدا ذاك العضو الذي جعل باختيارها حتى يصبح الجنين طفلا كاملا تلده الام خلقا سويا.
المقدمة الثالثة:
ان الحمل اذا اصبح تام الخلقة فكل عضو من اعضائه المتعددة يكون متكونا من خلايا متماثلة، فالجلد مهما نما وامتد وكبر فهو متكون من خلايا جلدية متماثلة مختصة بصنع الجلد، والكبد مهما امتد ونما فهو متكون من خلايا متماثلة مختصة بصنع الكبد، وكذلك القلب والعظم... وما الى ذلك. وكما اشرنا: ان الكروموزومات الستة والاربعين واجدة لجميع ما بعهدة كل كروموزوم، الا انها في مقام الفاعلية والتاثير لا تفعل ولا تؤثر الا ما يحتاج اليه الجلد مثلا او ايعضو آخر.
المقدمة الرابعة:
ان التقدم العلمي وصل الى الكشف عن ان تلك الكروموزومات هي الدخيلة في كامل الصفات الوراثية والخصوصيات المختصة بكل نوع او فرد، فهي بمنزلة المخ للخلية، وهي الحاملة لجميع خصوصيات الفرد الكامل للانسان او الحيوان . ولا فرق في ذلك بين ان يكون التكاثر والتوالد بشكل طبيعي او بشكل صناعي.
المقدمة الخامسة:
ان الاستنساخ معناه المطابقي الذي اريد منه هنا هو طلب نسخة ثانية، فكان ما كان اولا تكون من جديد كصورة اخرى له متحدة الخصوصيات، ويعبر عنه باللغة اللاتينية ب«كلونينك».
ولفظة «كلونينك» ماخوذة من «كلون»، وهي كلمةيونانية بمعنى ما يغرس من جذع الشجر مثلا لينمو ويصبح شجرا كاملا، ف «كلونينك» عبارة اخرى عن العمل بصدد الحصول على امر جديد هو نماء ونسخة كاملة لما غرسنا جذعه، ولذلك كله يعبر عن الاستنساخ بانه خلق المشابه وخلق المشابهات، لان الحاصل الجديد شبيه للاصل الذي كان، الا ان هذه المشابهة ربما تكون بلحاظ العضو الذي تكثرت خليته حتى صارت نسخة ثانية لذلك العضو، واخرى تكون بلحاظ الفرد منالانسان او الحيوان الذي اخذت خليته وتكثرت.
المقدمة السادسة:
يقسم الاستنساخ الى اقسام ثلاثة:
القسم الاول استنساخ العضو:
ان ثورة العلوم الطبيعية الجينية انتهت الى نتيجة امكان اخذ خلية واحدة من بعض الاعضاء بوسائل صناعية، فتجعلفي جهاز خاص ابدعته العلوم الحديثة وتغذى بالوسائل الصناعية فتتكثر الى خلايا متماثلة متصلة الى ان نحصل على قطعة من الجلد او العضو الاخر الذي اخذنا خليته، فنحصل على جديد مثلا يكون نسخة ثانية للجلدالاصلي.
وربما يستفاد من هذا العضو الجديد في معالجة ذاك العضو او ذاك الشخص الذي اخذنا خليته، فيبدل المعيوب اوالمقطوع بذلك وتقبله هذه القطعة الفاقدة، لمشابهتها اياه تماما.
ونتجاوز ما فعله بعض من اخراج هذا عن اسم الاستنساخ بسبب ان حصيلته ليست انسانا او حيوانا.
القسم الثاني الاستتئام:
قد عرفنا ان البييضة بعد ان تلقح في رحم المراة بمني الرجل فالخلية الملقحة تتكاثر فتصبح اثنتين ثم اربعا ثم ثمانيوست عشرة. وكل خلية من هذه الخلايا داخلة تحت غشاء واحد يكسوها، ولكل منها ما عرفت من غلاف ومادة سائلة ونواة مشتملة على كروموزومات.
وتقدم العلم اوجب امكان خرق ذاك الغشاء الذي كسا الخلية كلها وتفريق الخلايا التي تكاثرت وتعددت لتغشى كلخلية بغشاء جديد قالوا انه يؤخذ من بعض المواد في البحار فتكون كل خلية نسخة ثانية للخلية الاولى، وتشرع فيالمحيط المناسب اعني الرحم بالتكاثر الى ان تصل الى اثنتين وثلاثين وتنمو وتصبح ولدا كاملا. وهؤلاء الاولاد امثال في جميع الصفات والخصوصيات وتكون توائم متشابهة، فيمكن ان يوضع كل منها في رحم امراة كي تصبح ولدا كاملا، كما يمكن جعل بعض منها في رحم المراة ويحفظ بعض آخر بصورة جامدة، وبعد عامين مثلا يجعل فيرحم المراة فيكون الولدان او الاولاد متشابهين، وتوائم كل منها عين الاخر لا فرق بينها الا بان المتقدم يكون اكبر سنا منالمتاخر.
قالوا: انه قد اجرى بعض علماء الفن هذا العمل الا انه لم تصل جميع الموارد الى المطلوب الاقصى، بل نجح من كلثلاثة موارد واحد منها، ولعله لعدم كمال الادوات اللازمة، ولعله سيتم الامر فيها بلا استثناء في المستقبل.
ثم ان نسبة النواة بما لها من الكروموزومات الى المادة السائلة «السيتوبلازم» نسبة النواة الى الماء الذي تغوص فيه وتتغذى منه، فالسيتوبلازم ليس الا غذاء، كما صرح بذلك الدكتور حتحوت في رسالته «الاستنساخ البشري» حيثقال:
«يتكون الجسم كله من خلايا كما يتكون البناء من قطع الحجارة او قوالب الطوب، وبداخل كل خلية نواة هي سر النشاط الحياتي للخلية ويحيط بالنواة غشاء نووي، وتحتوي بداخلها على شبكة مكونة من ستة واربعين شريطا تلتقط الصبغة القاتمة، ولهذا تسمى الاجسام الصبغية «الكروموزومات». اما باقي مساحة الخلية فيما بين النواة وبينجدار الخلية فمليء بسائل يعرف بالسائل الخلوي «السيتوبلازم».والاجسام الصبغية
«الكروموزومات» الستةوالاربعون
هي حوامل الصفات الوراثية على هيئة وحدات من حمضالنوويات(1) تسمى الجينات مرتبة ترتيبا خاصا، فكانها حروف تؤلف كلمات، وهذه تؤلف رسالة عامة، وكذلكالصفات الوراثية لفرد بذاته لا يطابقه مثيل بين الناس على مدى الزمان والمكان.
وتتكاثر الخلية بالانقسام الذي بموجبه ينشق كل شريط من هذه الاجسام الصبغية طوليا الى نصفين يتمم كل منهمانفسه الى شريط كامل بالتقاط المواد اللازمة من السائل المحيط به، وهكذا تتكون صبغيتان تغلف كل منهما نفسهابغلاف نووي، ليصبح هناك توامان يقتسمان السائل الخلوي ويحيط بكل منهما غشاء خلوي وتصبح الخلية خليتين،وهكذا اجيال بعد اجيال من الخلايا المتماثلة»(2)
ثم قال في الخلايا الجنسية: «هي المنويات التي تفرزها الخصية والبييضات التي يفرزها المبيض، وهي كسائر الخلايا لولا ان لها خاصية ليست لغيرها، ذلك انها في انقسامها الاخير الذي تتهيا به للقدرة على الاخصاب لا ينشطر الشطر الكروموزومي الى نصفين يكمل كل منهما نفسه، لكن تبقى الاجسام الصبغية سليمة، ويذهب نصفها ليكون نواة خلية ، والنصف الاخر ليكون نواة خلية اخرى ، فتكون نواة الخلية الجديدة اذا مشتملة على ثلاثة وعشرين من الاجسام الصبغية لا على ثلاثة وعشرين زوجا ، ولهذا يسمى هذا الانقسام بالانقسام الاختزالي، فكان النواة فيما يختص بالحصيلة الارثية نصف نواة.
والقصد من ذلك انه اذا اخصب منوي ناضج بييضة ناضجة باختراق جدارها السميك التحمت نواتهما الى نواة واحدة ذات ثلاثة وعشرين زوجا لا فردا (46) من الاجسام الصبغية كما هي سائر خلايا جسم الانسان، فكانهما جسمان التحما الى خلية واحدة هي البييضة الملقحة، وهي اولى مراحل الجنين».
ثم افاد في بيان الفرق في تكاثر الخلايا الجنسية وخلايا الجسم : بان البييضة الملقحة تشرع في الانقسام الى خلايا مماثلة لعدد محدود من الاجيال، فما تكاد تفضي الى كتلة من اثنتين وثلاثين خلية حتى تتفرع خلايا الاجيال التالية الى اتجاهات وتخصصات شتى ذات وظائف متباينة وتتخلق الى خلايا الجلد والاعصاب والامعاء وغيرها، اي تنمو الى تكوين جنين ذي انسجة واعضاء مختلفة ومتباينة(3).
فهو كما ترى قد صرح في تكاثر خلايا الجسم بان نواتها تنمو وتنشق نصفين وتلتقط وتستفيد من المواد اللازمة الموجودة في السائل الخلوي ، وعطف على ذلك تكاثر الخلايا الجنسية، وذكر ان غاية الفرق بينهما ان البييضة الملقحة ذات ثلاثة وعشرين زوجا من الكروموزومات، وان تكاثرها المشابهي انما يصل الى اثنتين وثلاثين خلية، ثم تتفرع الاجيال التالية الى تخصصات شتى ذات وظائف متباينة ، ففي تكاثر الخلايا المحققة للنطفة ايضا انما تنمو النواة المتحققة من المني والبويضة، وليس «السيتوبلازم» الا غذاء مناسبا لها.
وبهذا ظهر انه لو ابتليت امراة متزوجة بمرض في سيتوبلازمها فنقلت نواة بييضتها بعد تلقيحها بمضاجعة الزوجمكان نواة بييضة امراة اخرى مسلوبة النواة وجعلت في رحم الثانية كي يستفيد الجنين من سيتوبلازمها السالم ، فالام الحقيقية لهذا الجنين هي تلك الزوجة، وليست صاحبة السيتوبلازم ولا كل واحدة منهما ولا مجموعهما، لان السيتوبلازم لم يكن الا غذاء، والذي نما انما هو نواة الزوجة.
القسم الثالث من الاستنساخ:
ان ناخذ خلية بييضة امراة غير ملقحة فننزع نواتها، هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى ناخذ خلية بعض اعضاء رجل او امراة ولو كانت نفس هذه الامراة صاحبة البييضة فناخذ مثلا خلية جلده ونجعل هذه الخلية مكان نواة البييضة المنزوعة النواة، ثم نجعل هذه الخلية المتكونة بهذا الشكل في داخل رحم امراة، فتشرع في التكاثر الى ان تبلغ اثنتين وثلاثين خلية، ثم تصل مراحل نمو الجنين ويولد طفل يكون من جميع الخصوصيات والجهات نسخة ثانية لصاحب الجلد في المثال المفروض الذي اخذنا منه خلية جلده.
فخلية بييضة المراة كانت تشتمل على ثلاثة وعشرين كروموزوما ولم تقدر على التكاثر والبلوغ الى مرحلة جنين كامل، ولكن خلية العضو الذي اخذنا خليته مشتملة على ستة واربعين كروموزوما ، فاذا وضعت مكان نواة خلية البييضة فان الخلية المتحققة من الخليتين تقدر على ان تتكاثر وتصل الى مرتبة كاملة للجنين ويتولد الطفل منامه.
والمفهوم من مقالة الدكتور احسان حتحوت ومن بيان الدكتور «في سيلقر» بنقل الدكتور سليمان السعدي : ان بييضة المراة المنزوعة النواة التي تجعل خلية الجسم كنواة لها لا تكون ملقحة بمني الرجل، فقد نقل الدكتور سليمانالسعدي في كتابه «الاستنساخ بين العلم والفقه» عن الدكتور «في سيلقر» قائلا: «كيف يستنسخ البشر»؟ تم تجديد هذه المعلومات من قبل الدكتور «في سيلقر» من جامعة «برنستون» وهو خبير بارز في الاستنساخ ان عملية اجراء الاستنساخ ليست عملية خيالية، بل هي شيء حقيقي، وهي مبنية على اجراءات استنساخ الشياه، ويبدو ان عملية استنساخ الفئران يمكن اجراؤها بصورة افضل. والعمليتان متشابهتان، ولكنهما ليستا متماثلتين.
لوازم العمل:
1- نسيج بشري: خلايا بشرية نقية لنسيج واحد، وتؤخذ من الشخص المراد استنساخه.
2- وسائط زرع للنسيج البشري: وهي الوسائط التي سوف تنمو فيها تلك الخلايا البشرية وتنقسم.
3- وسائط زرع دنيا للنسيج البشري: وهي الوسائط التي سوف تتوقف الخلايا المزروعة فيها عن الانقسام وتدخل في حالة من «السبات» من غير ان تموت.
4- تجهيزات مختبرية حاضنة، غطاء واق للراس والعنق، صحون بتري (صحون صغيرة رقيقة) مختبرية خاصة للزرع، مجاهر، ادوات قادرة على نزع وغرس جسيمات الخلية كالنواة من خلية الى اخرى.
5- خلايا بويضات بشرية غير ملقحة.
6- وسائط انماء خلية البويضة البشرية: وهي وسائط تنمو فيها البويضات المخصبة وتنقسم.
مناهج العمل:
1- يتم انماء الخلايا البشرية المراد استنساخها حتى يتم الحصول على كمية كافية منها.
2- تنقل الخلايا الى وسائط دنيا (وهنا فان بحث استنساخ الخراف هو مرجع جيد لمعرفة الفترة المطلوبة بالضبط)،ويسمح ذلك للخلايا بان تعيش ولكنها تتوقف عن الانقسام وتدخل في مرحلة السبات. ويحتمل ان هذه المرحلة هيالمرحلة التي تفقد فيها الخلايا تمايزها (تخصصها) وتعود الى حالة كلية القدرة، اي تصبح قادرة على التخصص والتمايز الى نوع من انواع الخلايا المختلفة.
3- عندما تصبح الخلايا المغروسة في حالة سبات يتم الحصول على خلية بويضة بشرية غير مخصبة، تنزع النواة من هذه البويضة، ثم تطرح النواة وباقل ضرر ممكن للبويضة.
4- تؤخذ واحدة من الخلايا المسبتة كاملة وتغرس في داخل الغلاف المحيط بالبويضة، ويعرف ب «الطبقة الشفافة» فيما يلي البويضة مباشرة.
5- يتم توجيه صعقة كهربائية الى البويضة (وهنا بحث استنساخ الخراف يمكن ان يكون مرجعا جيدا لقوة وطول فترة الصعقة). ان الصعقة الكهربائية تستحث الخليتين على الاندماج بحيث يمكن ان نعرف ان كانت الصعقة كافية من خلال النظر الى الخلايا وحسب. ويعتقد بان برمجة الجينات الجنينية تبتدئ باحلال الاشارات البروتينية للبويضة، الا ان الصعقة الكهربائية قد تساعد في تحريك هذه المؤشرات البروتينية عبر غشاء النواة ايضا. ان النفاذية الكهربائية طريقة شائعة لتسيير جزيئات «الدنا» عبر جدار الخلية.
6- تعاد الخطوات الثلاث الاخيرة حسب الحاجة كلما دعت الضرورة الى ذلك حتى يصير لدينا ما يكفي من النسوخ ، وعلينا ان نتوقع ان الكثير منها لن يبقى على قيد الحياة بسبب الاضرار المتسببة للخلية والحوادث الاخرى، يسمح للاجنة بالنمو والانقسام مرات قليلة في وسط زرع خلية البويضة البشرية.
7- تغرس الاجنة من امهات بشريات حيث يمكن حملها حتى يحين اجل وضعها الطبيعي». انتهى كلام الدكتور «في سيلقر» حسب نقل الدكتور داود سليمان السعدي.
وهو كما ترى صريح في ان من لوازم العمل خلايا بويضات بشرية غير ملقحة.
وهذه الاقسام الثلاثة للاستنساخ يسمى الاول والثالث منها ب «الاستنساخ التقليدي»، والثاني منها ب«الاستتئام» ، وسرتسمية الاول والثالث منها بالاستنساخ التقليدي هو ان ما يحصل منهما من نتاج يكون نسخة ثانية ومقلدة للنسخة الاولى ، اما نسخة للعضو او نسخة للانسان او الحيوان، في حين ان التوائم في الاستتئام كلها في عرض واحد ، وليس بعضها تقليدا لبعض.
وقد انتهينا الى هنا من المقدمات التي توضح حقيقة الاستنساخ.
حكم الاستنساخ فقهيا:
ان البحث عن حكم الاستنساخ تارة يكون عن جواز نفس الاستنساخ في شريعة الاسلام، واخرى يكون عما يترتب من الاحكام على الحصيلة المتحصلة من هذه العملية:
اولا حكم نفس عملية الاستنساخ:
اما البحث عن جواز اصل عملية الاستنساخ فلا ريب في انه يجب في ذلك الاجتناب عن المحرمات التي ربما يكون الاقدام على ذلك مصاحبا لها، فيجتنب مثلا عن مس الاجنبي او الاجنبية لبدن انسان تؤخذ منه الخلية، وكذا النظر الى ما يحرم النظر اليه، ونظر غير الزوجين الى عورة غيرهما وان كان من المحارم.
الا ان هذه الاحكام احكام مستقلة، واذا لم تراع امثالها لم يوجب ذلك حرمة نفس الاستنساخ.
نعم، في الاستنساخ التقليدي للانسان قد يقال بان استنساخه بشكل وافر يخلق الهرج والمرج في المجتمع، كامكان اشتباه المجرم كثيرا، وتكثر الاجرام، واخفاء الجرم دائما، وما الى ذلك.
الا ان هذا ايضا ان تحقق فهو خاص بصورة غير ملازمة ، فلا يحرم الاستنساخ الفردي القليل مثلا.
وفي الاستتئام قد يقال: انه قد دلت روايات معتبرة على انه يحرم اعدام النطفة والقاؤها من الرحم في جميع مراحل وجودها، كما دلت على ذلك روايات معتبرة، من قبيل:
1 موثقة اسحاق بن عمار قال: قلت لابي الحسن(ع): المراة تخاف الحبل فتشرب دواء فتلقي ما في بطنها؟ قال: «لا».فقلت:
انما هو نطفة، فقال: «ان اول ما يخلق نطفة»(4).
2 ونظيرها صحيحة رفاعة قال: قلت لابي عبداللّه(ع): اشتري الجارية، فربما احتبس طمثها من فساد دم او ريح في رحم، فتسقى دواء لذلك فتطمث من يومها، افيجوز لي ذلك وانا لا ادري من حبل هو او غيره؟ فقال لي: «لا تفعل ذلك». فقلت له:
انه انما ارتفع طمثها منها شهرا، ولو كان ذلك من حبل انما كان نطفة كنطفة الرجل الذي يعزل. فقال لي: «انالنطفة اذا وقعت في الرحم تصير الى علقة ثم الى مضغة ثم الى ما شاء اللّه، وان النطفة اذا وقعت في غير الرحم لم يخلق منها شيء، فلا تسقها دواء اذا ارتفع طمثها شهرا وجاز وقتها الذي كانت تطمث فيه»(5).
فهاتان الروايتان صريحتان في تحريم اسقاط ما يصلح ان يكون منشا للولد من الرحم ولو كان على مستوى النطفة ، فاذا كان الاستتئام موجبا لفقد خلية منها كما لعله الاغلب كان حراما ، فليجتنب عنه.
وقد يقال في جواب ذلك: ان الخلايا الواقعة في الرحم ليست كلها قادرة عادة على طي المسافة الى حين تكون الولد في عرض واحد، وانما يتكون منها القليل كالواحدة مثلا، فاذا كان ما اخذ من الرحم بالطريقة الماضية يموت بعضها وتتكون منها واحدة فهذا كاف لتلبية ما تتطلبه حرمة الاسقاط او الاعدام، اذ لا نعلم بقابلية اكثر من الواحدة على سبيل البدل لذلك.
الا ان هذا الاشكال ان صح ولم نقل بكفاية قابلية ما يعدم لنشوء الولد ولو بدلا في الحرمة لكن احتمال موت الجميع بالعملية الماضية وعدم تمامية الانجاب نهائيا يبقى واردا، فان نجاح العملية ليس مضمونا في كل قضية قضية ، وانما اثبت العلم النجاح في بعض العمليات. وهذا تقريب آخر للحرمة، وهو كاف لضرورة الاجتناب.
الا ان هذا العمل المحرم بكلا تقريبيه يقع في مقدمة الوصول الى الاستتئام، ونفس الاستتئام ليس بمحرم بمقتضى هذه الروايات. هذا حكم نفس الاقدام على هذه العمليات.
ثانيا حكم ما يترتب على الاستنساخ من الاثار:
واما حكم ما يتحقق من كل واحد من هذه الاقسام، فالبحث فيها ما يلي:
القسم الاول من الاستنساخ:
وهو الاستنساخ التقليدي المؤدي الى حصول عضو جديد كالجلد مثلا، ولاريب في جواز الانتفاع به في علاج صاحب الخلية اي الذي اخذت منه الخلية اذا كان صاحبها انسانا. ولا مجال لتوهم حرمة هذا الانتفاع به لشبهة اعتبار رضا صاحب العضو في الانتفاع بعضوه. ولو احتملت حرمة العلاج بنفسه يرفع الاحتمال باصالة البراءة.
ولا ريب ايضا في جواز الانتفاع به في علاج ارحام صاحب تلك الخلية وللاجانب برضا المالك او بالشراء منه.
ولو قلنا: ان المالك او صاحب الاختصاص هو صاحب الخلية اشترط في الحل رضاه بمال او مجانا.
نعم، قد يقال بنجاسة العضو الجديد اذا كان مشملا على اللحم والدم مثلا بسبب انه كالاعضاء المقطوعة منالحي.
ولكن لا ينبغي الاشكال في عدم شمول روايات نجاسة الاعضاء المبانة من الحي لذلك(6)، فاذا شككنا في الطهارة والنجاسة، فان قلنا بجريان اصالة الطهارة لدى الشك في نجاسة شيء من اول امره انتهى الاشكال، وان لم نقل بذلك بناء على الاشكال الموروث من استاذنا الشهيد الصدر(قدسسره) الناتج من التشكيك في كيفية قراءة «قذر» فيجملة: «حتى تعلم انه قذر» قلنا: ان الشك في الطهارة والنجاسة يكفي في اجراء الاصول المؤمنة عن احكام النجاسة،فينتهي الاشكال بذلك ايضا.
القسم الثاني من الاستنساخ:
وهو الاستتئام، ولا شك في ان ما يتحقق منه يكون توامين او توائم متعددة ابا واما، وحالها حال باقي الاخوة والاخوات في التوالد الطبيعي العادي، وكذلك النسبة بينهم وبين سائر الاقرباء.
نعم، يبقى الحديث عن النسبة بين الطفل وبين المراة التي غذته في رحمها ولم تكن صاحبة البييضة، وهي المسماة بالام الحاضن:
فقد يقال: انها هي الام شرعا دون صاحبة البويضة التي قلنا انها هي الام الحقيقية، وذلك لقوله تعالى: (ان امهاتهم الا اللائي ولدنهم)(7).
وعلى هذا الاساس، يقال في الام الحاضن سواء كان في مورد الاستتئام او غيره : انها هي الام الحقيقية شرعا، كما صرح بذلك السيد الخوئي(قدسسره) على ما ورد في كتاب مسائل وردود مجيبا على سؤال موجهاليه(قدسسره) ما نصه:
«مسالة (284): (ا) رجل زرع نطفته في رحم امراة اجنبية بواسطة الوسائل الطبية متفقا معها على حمل الجنين مقابلمبلغ معين من المال، لان رحم زوجته لا يتحمل حمل الجنين، والنطفة مكونة من مائه هو وماء زوجته الشرعية، وانما المراة الاجنبية وعاء حامل فقط، فمع العلم بحرمة ذلك لاختلاط المياه، لكن المشكلة التي حدثت بعدئذ هي ان المراة المستاجرة للحمل طالبت بالولد الذي نما وترعرع في احشائها، فما قولكم؟ باسمه تعالى: المراة المذكورة التي زرع المني في رحمها ام للولد شرعا، فان الام هي المراة التي تلد الولد، كما هو مقتضى قوله تعالى: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن امهاتهم ان امهاتهم الا اللائي ولدنهم) وصاحب النطفة اب له، واما زوجته فليست اما له. وعلى هذا فالمراة المزبورة من حقها ان تاخذ الولد الى سنتين من جهة حق الحضانة لها، واللّه العالم.
(ب) وما حكم هذا الولد من حيث التوارث والنسب؟ باسمه تعالى: يترتب عليه تمام احكام الولد من السببية والنسبية بالنسبة الى ابيه وامه، واللّه العالم»(8).
الا ان هذا الكلام غير تام، اذ لا شك ان الام الحقيقية العرفية انما هي صاحبة البويضة، وان الملاك للامومة واضح عند العقلاء، وهو كون النطفة حاصلة من بييضتها على حد ان والدية الاب تكون بسبب ان خلايا الولد ولدت منه.
واما الاية المشار اليها فلا دلالة لها على خلاف ذلك في المقام، فانها على ما يظهر من سياقها ليست بصدد بيان تعريف للام ولو تعبدا، وانما هي بصدد بيان ان الام الحقيقية للذي يظاهر من امراته هي التي ولدته وليست المراة التيظاهر منها وزعم انها كامه، قال اللّه تعالى: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن امهاتهم ان امهاتهم الا اللائي ولدنهم وانهم ليقولون منكرا من القول وزورا...)(9).
وقد يقال: ان الام الحاضن هي بمنزلة الام الرضاعية، وذلك على اساس مقدمتين:
الاولى اصل فكرة الام الرضاعية ، فلو انها كانت ترضع ولدا من دون حضانة في الرحم ولا ولادة فلا شك في ان ذلك كان يخلق قرابة رضاعية تحل محل قرابة النسب.
والثانية ان تاثير الام الحاضن في اشتداد اللحم والدم والعظم للطفل اشد بكثير من اشتدادها بالرضاع ، فتدعى الاولوية العرفية في نفس التاثير.
والجواب: انه لم يكن تمام الملاك في خلق القرابة الرضاعية الحالة محل القرابة النسبية هو اشتداد لحم الطفل وبدنه بها، بل لذلك شروط تعبدية.
فمثلا: قد دل النص التام السند على انه لو در اللبن من المراة من غير ولادة وارضعت طفلا لم ينشر الحرمة، كما هو صريح صحيحة يونس بن يعقوب ورواية موسى بن عمر البصري غير التامة سندا(10).
وايضا افتى الاصحاب بعدم انتشار الحرمة بالارضاع من الزنا.
وايضا دلت النصوص التامة على ان مقياس نشر الحرمة هو لبن الفحل، وليس بطن المراة(11).
وانا اقتصر هنا على ذكر الرواية الاولى من الباب، وهي صحيحة بريد العجلي قال: سالت ابا جعفر(ع) عن قولرسول اللّه(ص): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». فسر لي ذلك. فقال:
«كل امراة ارضعت من لبن فحلها ولد امراة اخرى من جارية او غلام فذلك الذي قال رسول اللّه(ص)، وكل امراة ارضعت من لبن فحلين كانا لها واحدا بعد واحد من جارية او غلام فان ذلك رضاع ليس بالرضاع الذي قال رسول اللّه(ص): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وانما هو نسب ناحية الصهر رضاع ولا يحرم شيئا ، وليس هو سبب رضاع من ناحية لبن الفحولة فيحرم»(12).
نعم، وجدنا روايتين تدلا ن على ان وحدة البطن كوحدة الفحل في نشر الحرمة.
الاولى: رواية محمد بن عبيدة الهمداني وهو رجل مجهول قال: قال الرضا (ع): «ما يقول اصحابك في الرضاع؟». قال: قلت:
كانوا يقولون: اللبن للفحل حتى جاءتهم الرواية عنك انك تحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فرجعوا الى قولك. قال: فقال:
«وذلك ان امير المؤمنين [يعني المامون] سالني عنها البارحة فقال لي: اشرح لي (اللبن للفحل) وانا اكره الكلام ، فقال لي:
كما انت حتى اسالك عنها، ما قلت في رجل كانت له امهات اولاد شتى، فارضعت واحدة منهن بلبنها غلاما غريبا، اليس كل شيء من ولد ذلك الرجل من امهات الاولاد الشتى محرما على ذلك الغلام؟! قال: قلتبلى». قال: فقال ابو الحسن(ع): «فما بال الرضاع يحرم من قبل الفحل ولا يحرم من قبل الامهات؟! وانما الرضاع من قبلالامهات وان كان لبن الفحل ايضا يحرم»(13).
وهذه الرواية مع سقوطها سندا يشم منها رائحة التقية.
والثانية: موثقة جميل بن دراج عن ابي عبداللّه(ع) قال: «اذا رضع الرجل من لبن امراة حرم عليه كل شيء من ولدها وان كان من غير الرجل الذي كانت ارضعته بلبنه، واذا رضع من لبن رجل حرم عليه كل شيء من ولده وان كان من غير المراة التي ارضعته»(14).
الا ان الظاهر ان المعمول به لدى معروف الاصحاب هو الاول دون الثاني، فوحدة البطن في باب الرضاع لا تنشر الحرمة حتى يحمل المقام عليه بالاولوية.
القسم الثالث من الاستنساخ:
وهو الاستنساخ التقليدي للبشر لو نجح العلم في ذلك ولو مستقبلا. والصحيح في ذلك ان هذا الطفل اما ان له ابا ولا ام له او ان له ، اما ولا اب له ، وذلك لانه اتضح مما تقدم ان بييضة المراة التي افرغت من نواتها ليست هي المكونة للطفل باكثر من ان سيتوبلازمها يعمل كغذاء مناسب لنمو النطفة ، فالنطفة الحقيقية انما هي نواة خلية جزء من عضو رجل او امراة ولو كانت نفس تلك المراة والذي اريد استنساخ فرد مثله، فان كان ذاك رجلا فهو ابوه وان كان امراة فهي امه.
ولا يشترط في شرعية هذا الاب او الام عقد شرعي، فان العقد الشرعي انما ورد في تلاقح الخلايا الجنسية، وبذلك يتعين نسب هذا الطفل من جميع النواحي، وتثبت جميع احكام النسب باطلاق ادلتها.
وفرض انصرافها الى باب التزاوج الطبيعي ليس الا انصرافا بدويا ناتجا من انحصار الفرد المتعارف في عصر النص بذلك.
وآخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين
المصادر:
1- نسبة الى النواة.
2- نقلناه عن صورة فوتوغرافية من الرسالة: 2.
3- نقلناه عن صورة فوتوغرافية من الرسالة: 3.
4- وسائل الشيعة 19: 15، ب7 من القصاص في النفس، ح1.
5- المصدر السابق 2: 582، ب33 من ابواب الحيض، ح1.
6- انظر: المصدر السابق 16: ب24 من الصيد، وب30 من الذبائح.
7- المجادلة: 2.
8- مسائل وردود: 99 100، جمع واعداد محمد جواد الشهابي، وكتب وتبويب عبدالوهاب النجار.
9- المجادلة: 2.
10- وسائل الشيعة 14: 302، ب9 مما يحرم بالرضاع، ح1و2.
11- انظر: المصدر السابق: ب6 مما يحرم بالرضاع.
12- المصدر السابق: 293، ب6 مما يحرم بالرضاع، ح1.
13- المصدر السابق: 296، ب6 مما يحرم بالرضاع، ح9.
14- المصدر السابق: 306، ب15 مما يحرم بالرضاع، ح3.

