الرئيسية | تزكية النفس | الدرس الثاني ضرورة التدبُّر في القرآن

الدرس الثاني ضرورة التدبُّر في القرآن

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الدرس الثاني  ضرورة التدبُّر في القرآن

بحوث مستلّة من كتاب تزكية النفس للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسيني الحائري (دام ظله)

 

فقد مضى أَ نَّه ممّا يدلُّ على ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا﴾ وقد ورد عن الصادق  في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا﴾ إنَّ لك قلباً ومسامع وإنّ الله إِذا أراد أَن يهدي عبداً فتح مسامع قلبه، وإِذا أراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه، فلا يصلح أبداً. وهو قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا﴾.

وأيضاً ممّا يدلُّ من الآيات القرآنيّة على أَنَّ القرآن كتاب التربية والتزكية وشفاء النفس من الأدْواء الروحيّة قوله سبحانه وتعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَاراً}. ومن الواضح: أَنَّ المقصود بذلك الشفاء من الأمراض الروحيّة. ومثل هذه الآية قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}.

وممّا يدلُّ على ذلك ـ أيضاً ـ قوله سبحانه وتعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الاَْمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

فلو أنّ قلوبنا لم تخشع ولم تتصدّع من خشية الله فهذا دليل على أنّ القرآن لم ننزّله بمعنى الكلمة على قلوبنا، ولم نهضمه فيما بين جوانحنا، وحينما نقرأه لا نهتم وهذه الآية من الآيات التي تدلُّ ـ على ما يبدو لنا ـ على أنَّ للجماد نوع شعور مناسب لنشأته بحيث لو أَنزل الله ـ تعالى ـ هذا القرآن بالنشأة المناسبة لنشأة الجبل لخشع وتصدَّعَ من خشية الله. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {... فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً...}.

فالمقصود هنا ـ أيضاً ـ تجلِّي الربّ بالنشأة المناسبة لنشأة الجبل. ونظير هاتين الآيتين قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

فلو أمكن حمل قوله تعالى:{لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ} و {لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} على نوع من البيان الاستعاري أو الكنائي أو المجازي والبلاغي إذ فُرِضَ تفجر النهر والتشقق بالماء من قبيل لين القلب، فكيف نفسر قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّه}؟! إِلاّ بتفسير: أنَّ للجماد نشأة خاصة به، وله بلحاظ تلك النشأة الخشية من الله تعالى. ومن هنا يبدو أنَّ ما يقال من تفسير عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال بعرضها على أهلها كالملائكة، أو بكون ذلك تمثيلاً وتقديراً، وكون الإباء والاشفاق بعنوان لسان الحال، كلُّ هذه بعيدة عن الواقع، بل الآية محمولة على معناها الظاهري والحقيقي، إلاّ أَنَّ العرض كان بالنشأة المناسبة لنشأة الجمادات. 

إلاّ بقراءة الألفاظ من دون إنزال المعاني بدقيق الكلمة على أفئدتنا.

وفي الحديث عن الصادق: (لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه، ولكنّهم لا  يبصرون). وكلّنا نعلم أنّ كتاب الشخص يمثّل شخصيّته، وحتّى الرسالة المختصرة التي تُردّد بين صديقين قد تُمثّل شخصية صاحب الرسالة، فمن الطبيعي أنّ يقال: «لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه ولكنّهم لا يبصرون» وهذا المعنى صادق بلحاظ كتابي الآفاق والأنفس أيضاً، كما قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ...﴾، إلاّ أ نّه بالنسبة للقرآن أوضح وأسهل للدرك لدى الناس الاعتياديين.

وتوجد بعض القصص والحكايات في تأثير التدبّر في القرآن وإحيائه للقلوب من قبيل:

1 ـ ما يُحكى عن الفضيل بن عياض: أ نّه كان في أوّل أمره يقطع الطريق بين ابيورد وسرخس، وعشق جارية، فبينما يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ...}. فقال: يا ربِّ قد آن، فرجع وأوى إلى خربة، فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم نرتحل، وقال بعضهم حتّى نصبح، فإنّ فضيلاً على الطريق يقطع علينا. فتاب الفضيل وآمنهم. وحكي أ نّه جاور الحرم حتّى مات.

2 ـ قيل: كان لفضيل ولد اسمه عليّ، وكان أفضل من أبيه في الزهد والعبادة، إلاّ أ نّه لم يتمتع بحياته كثيراً، وكان سبب موته أ نّه كان يوماً في المسجد الحرام واقفاً بقرب ماء زمزم فسمع قارياً يقرأ: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ  * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَان وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} فصعق ومات.

3 ـ رُوي: أنّ رجلاً جاء إلى رسول الله  وقال: علّمني ممّا علّمك الله، فأودعه الرسول إلى رجل من أصحابه كي يعلّمه القرآن، فعلّمه سورة الزلزلة.. إلى قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ}، فقام الرجل وقال: حسبي هذا، فقال رسول الله: «رجع فقيهاً».

ويناسب هنا أن نتذكّر كلام إمامنا أمير المؤمنين  في وصف المتّقين: «... أمّا الليل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن، يرتّلونه ترتيلاً، يحزّنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنّوا أنّها نصب أعينهم، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أُصول آذانهم...».

نعم، إنّ القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين، ولكنّه في نفس الوقت لا يزيد الظالمين إلاّ خساراً، كما هو معروف بشأن الخوارج الذين كانوا تالين للكتاب. وقد روي أ نّه خرج أمير المؤمنين  ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجهاً إلى داره، وقد مضى ربع من الليل ومعه كميل بن زياد، وكان من خيار شيعته ومحبّيه، فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك الوقت، ويقرأ قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الَّيْلِ...}. بصوت شجيّ حزين، فاستحسن كميل ذلك في باطنه، وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئاً، فالتفت صلوات الله عليه إليه وقال: «يا كميل لا تعجبك طنطنة الرجل، إنّه من أهل النار، وسأُنبّؤك فيما بعد» فتحيّر كميل لمكاشفته له على ما في باطنه، ولشهادته بدخوله النار مع كونه في هذا الأمر وتلك الحالة الحسنة. ومضت مدّة متطاولة إلى أن آل حال الخوارج إلى ما آل، وقاتلهم أمير المؤمنين، وكانوا يحفظون القرآن كما أُنزل، فالتفت أمير المؤمنين  إلى كميل بن زياد وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دماً، ورؤوس أُولئك الكفرة الفجرة محلّقة على الأرض، فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرؤوس وقال: يا كميل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ...﴾، أي: هو ذاك الشخص الذي كان يقرأ القرآن في تلك الليلة، فأعجبك حاله، فقبّل كميل قدميه   واستغفر الله.

 

أسئلة الدرس الثاني

س1: ما هي موجبات ضرورة التدبر في القرآن الكريم من قبل العبد؟

س2: لو قرأنا القرآن ولم نخشع فهل قرآءتنا صحيحة، ولماذا؟

س3: إذكر نماذج من القصص ممن سمعوا آية واحدة من القرآن الكريم فأنقلب حالهم الى خير حال؟

س4: الأعرابي الذي طلب من رسول الله ’ تعليمه شيئاً من القرآن، ولما عُلِّم سورة الزلزلة الى الآية { فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، قال الرجل حسبي وانصرف، فقال رسول الله ’ بحقه (رجع فقيها) كيف أصبح الرجل فقيهاً بحفظ تلك الآية؟

س5: القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين، ولكنه في نفس الوقت لا يزيد الظالمين الا خساراً، هل يكفي وجود القرآن بين المسلمين ليجعلهم إمة عظيمة وقائدة؟ 

 

 

  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية