الرئيسية | تزكية النفس | الدرس الثالث الصلاة أساس تهذيب النفس

الدرس الثالث الصلاة أساس تهذيب النفس

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الدرس الثالث  الصلاة أساس تهذيب النفس

بحوث مستلّة من كتاب تزكية النفس للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسيني الحائري (دام ظله)

 

{..... وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} العنكبوت45.

قد يبدو للخاطر انه ما معنى اخباره سبحانه وتعالى عن نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر، في حين ان اكثر الناس الاعتياديين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر، بدليل انهم يصلون وفي نفس الوقت يصدر منهم بعض الفسوق.

ولكن الواقع الصلاة لا تنفك عن النهي عن الفحشاء والمنكر، وهذا النهي بقدر حضور المصلي لدى المليك المقتدر في صلاته، وكيف يعقل ان يحضر انسان عند سلطان دنيوي بمحض اختياره في اليوم خمس مرات ويحس بعظمته وجلاله ثم لا يؤثر ذلك في ترك مخالفته لذلك السلطان، أو تقليل المخالفة ولو جزئياً، فأذا كان هذا حال الحضور لدى سلطان دنيوي عاجز مسكين مستكين، فكيف بالحضور لدى المليك المقتدر.

اذن يتقدر النهي عن الفحشاء والمنكر بقدر ما يكون للأنسان من حضور قلب، فمن يضعف ويقل حضوره يقل نهي الصلاة اياه عن الفسوق، ولكن لو كان يترك الصلاة لكان يتوغل في هاوية الفسوق اكثر فأكثر،  ومن يتم حضوره في الصلاة أمام الرب بتمام ما للكلمة من معنى يكون ذلك في نهيه اياه عن الفحشاء والمنكر بمرتبة ما يوازي العصمة او يقاربها.

وقد روي عن ابن عباس انه اهدي الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناقتان عظيمتان فجعل احداهما لمن يصلي ركعتين لا يهم فيهما بشيء من أمر الدنيا، ولم يجبه أحد سوى علي× فأعطاه كلتيهما.

وقد ورد ان علياً× كان في صلاته يستغرق في الله الى حد استخرج السهم من رجله في حال الصلاة فلم يلتفت.

وقد ورد في وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر (رض) (يا ابا ذر ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه).

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى رجلاً يعبث في لحيته في صلاته فقال: (أما انه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه). وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اذا قام العبد الى صلاته وكان هواه وقلبه الى الله انصرف كيوم ولدته امه).

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(من صلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه).

وقد روي عن بعض ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه كان يحدثنا ونحدثه فأذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه شغلاً بالله عن كل شيء.

وكان علي× اذا حضرت الصلاة يتململ ويتزلزل، فيقال له مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول:(جاء وقت أمانة عرضها الله على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها)، وكان علي بن الحسين× اذا حضر الوضوء اصفر لونه.

وبمعرفة نهي الصلاة عن المنكر، وان النهي يقوى ويتم اذا قوي حضور قلب المصلي لدى الله وتم، ومن هنا يتضح معنى غسل الصلاة لدرن الروح باليوم خمس مرات كمن يغسل بدنه بنهر جار باليوم خمس مرات فلا يبقى درن في بدنه، كما ورد عن الباقر× عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو كان على باب احدكم نهر فأغتسل في كل يوم خمس مرات أكان يبقى من الدرن في جسده شيء؟ قلنا: لا، قال فأن مثل الصلاة كمثل النهر الجاري كلما صلى صلاة كفرت ما بينهما من الذنوب).

وليعلم ان الصلاة صممت بشكل يساعد على حضور القلب، وتلهم بكل خطواتها ذكر الله سبحانه وتعالى، وتساعد الى حد كبير في النهي عن الفحشاء والمنكر.

ولتوضيح ذلك نذكر نموذجاً مختصراً عن الهامات الصلاة بقدر ما يتطلبه المدخل المختصر:

1 ـ إستقبال الكعبة.

ان الله سبحانه موجود في كل مكان ونسبة جهة الكعبة وما يعاكسها اليه سواء (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) ولكن الاسلام أراد للأنسان اتجاهاً حسياً لدى إرادة الاتجاه الى الله، بأعتبار ان الانسان خلق حسياً أكثر من كونه عقلياً، فجعل الكعبة رمزاً لبيت الله وامرنا بالتوجه الى جهة المسجد الحرام، أفيكون من وظيفتنا في الصلاة توجه الجسم الى ما جعل رمزاً لبيت الله، ولا يكون من وظيفتنا توجه القلب في الصلاة الى الله سبحانه والذي به تتم روح العبادة.

2 ـ التكبير.

لئن كبرنا ـ حقا ًـ متوجهين الى مغزى التكبير وقاصدين معناه ومؤمنين بأن الله أكبر من كل شيء، أفهل يعقل ان نعصي الله ونتجه الى غيره من هدف صغير أو كبير مما هو لا شيء بالقياس الى الله سبحانه وتعالى.

3 ـ فاتحة الكتاب.

النص القرآني (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) ورد في التفسير ان السبع المثاني هي فاتحة الكتاب، وهي أشرف ما في كنوز العرش حسب الحديث النبوي، ولها ميزة لا توجد في أي سورة أخرى في القرآن الكريم وهي ان جميع سور القرآن الكريم لسان حالها مخاطبة الله سبحانه وتعالى للناس، ما عدا هذه السورة المباركة لسانها من اولها الى آخرها لسان مخاطبة العبد لله سبحانه وتعالى، ولعل هذا السر في انها لا تخلو صلاة منها، ولا صلاة الا بفاتحة الكتاب، ومن يبدأ القراءة في الصلاة بالاستعانة بالله الرحمن الرحيم، ويعترف بأنه تعالى مالك يوم الدين، ويحصر العبادة والاستعانة بالله تعالى، كيف يتخذ بعد ذلك الهه هواه، ويستعين بنعم الله تعالى على معصيته.

4 ـ الركوع والسجود.

وهي عبادة ذاتية، لأن العبادة تذلل والتذلل بالعبائر أنما تكون بمعانيها اللغوية والمعاني تختلف من لغة الى اخرى في حين ان دلالة الركوع والسجود على التذلل دلالة عالمية أجمع عليها كل الملل وكل اللغات، فكان دلالتها على ذلك دلالة ذاتية، ومن يتذلل لله بهكذا تذلل بمحض اختياره ومن دون أي إجبار كيف يعارض الله تعالى بعد ذلك بمعصيته.

وقد اتضح من كل ما تقدم أن أول خطوة للسلوك والتكامل هو الخشوع في الصلاة.

استنتاجٌ وإضافة:

أمّا الاستنتاج: فقد اتَّضح أنّ أوّل خطوة للسلوك هو الخشوع في الصلاة، وقد أشار القرآن إلى ذلك في آيتين:

الأُولى: قوله سبحانه وتعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}.

 فقد جعل أوّل علامة الإيمان هو الخشوع في الصلاة.

والثانية: قوله سبحانه وتعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}.

فمن يصلّي بهدف التخلّص من مسؤوليّة الوجوب، وليس بدافع خشوعه القلبي لله واستغراقه في ذات الله، يحسّ بثقل الصلاة، ويتمنّى في أثناء صلاته بين آونة واُخرى أن تنتهي الصلاة كي لا تشغله عن أعماله وعن علاج مشاكله التي هو مصاب بها، فَمَثله مثل رجل مريض يراجع الطبيب، وينتظر في صفّ المرضى المنتظرين ولو لعدّة ساعات، ويتحمل ذلك لعلمه بأنّ هذا لابدّ له منه علاجاً لمرضه أو نجاةً من الموت الاحتمالي، لكنّه يتمنّى في كلّ لحظة أن تنتهي هذه المراجعة كي يفرغ لسائر أعماله وهمومه. أمّا من يتشرف بلقيا عظيم من العظماء كالسيد الإِمام  أو السيّد الشهيد الصدر  ممّن يكون خاشعاً له مستغرقاً في حبِّه ملتذّاً بحضوره لديه فقد تمضي عليه الساعات الطوال ولا يحسّ أصلاً بمرور الزمن، فكأنّ هذا هو معنى قوله سبحانه وتعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}، أي: أنّ غير الخاشع إن كان يصلّي يرى أنّ صلاته قد زاحمت أعماله وأشغاله الأُخرى، فهو قد يأتي بالصلاة باعتبار اعتقاده بوجوبها، لكنّه يحسّ بثقلها ومشقّتها. وأمّا الخاشع فهو الذي يلتذّ بالصلاة، فلا يحسّ بثقلها، وكأ نّه يغفل عن مرور الزمن عليه في حال الصلاة.

للهِ قومٌ إِذا ما الليل جنّهمو

    قاموا من الفرشِ للرحمنِ عُبَّادا

 

 

ويركبون مطايا لا تملُّهمو   

إذا هُمو بمنادي الصبحِ قد نادا 

 

 

هُمو إذا ما بياضُ الصبحِ لاحَ لهم

    قالوا من الشوقِ ليت الليلَ قد عادا

 

 

الأرضُ تبكي عليهم حينَ تفقدُهمْ

    لأنّهم جعلوا للأرضِ أوتادا 

 

 

ثُمّ إنّني لا أتصوّر أن تكون الصلاة التي هي كبيرة إلاّ على الخاشعين عبارة عن صلواتنا التي قد تكون نقراً كنقر الغراب، أو لا تستغرق إلاّ خمس دقائق، ولا  تكون إلاّ بالمقدار المجزي فقهيّاً، فأيّ ثقل مهمّ لهذه الصلاة حتّى يقال عنها: {إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}؟!

وأمّا الإضافة فأُمور ثلاثة:

الأوّل: هناك عدّة طرق لتحصيل حضور القلب في الصلاة، منها:

1 ـ أن يبادر قبل الدخول في الصلاة بحلّ مشاغله الآنيّة، كمدافعة الأخبثين، وألم يمكن تسكينه ولو نسبيّاً في وقت قصير، ونحو ذلك. وقد وردت النصوص في النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين.

وقد رُوي عن أبي الدرداء أ نّه قال: من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في الصلاة; ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ.

2 ـ أن يفرّغ نفسه قبل الصلاة عن أفكاره الأُخرى ومشاغله دنيويّة أو أُخرويّة، ويفكّر في عظمة الله ورحمته وغضبه، وفي الموت وما بعده.

3 ـ أن يتأمّل في الصلاة في معاني ما يقول. وطبعاً التوجّه إلى الله من خلال الكلمات ليس هو الأصل; بل الأصل هو العكس، ولكن هذا ممّا لابدّ منه في بداية الطريق.

الثاني: على المؤمن أن يتدرّج في التهذيب، ولا يحمّل نفسه فوق طاقته، ولا  يبغّض إلى نفسه العبادة بالإكثار، ويداري حالات قلبه المختلفة من الإقبال والإدبار.

وقد ورد عن الصادق  عن رسول الله: أ نّه قال لعليّ: (يا عليّ إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة ربّك إنّ المنبتّ ـ  يعني المفرط  ـ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرماً واحذر حذر من يتخوّف أن يموت غداً).

وعن أحدهما  قال: قال النبيّ: (إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فتنفّلوا، وإذا أدبرت فعليكم بالفريضة).

وعن مولانا أمير المؤمنين : (إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض).

الثالث: كلّما تقدّم المؤمن في تكامله ازداد ثقل كاهله، ولن يصل إلى مرحلة التخفيف، فهاهم أنبياء الله العظام الذين وصلوا في سلوكهم فوق ما يتصوَّره متعارف الناس ترى عظم مسؤوليتهم وثقل كاهلهم. وكنموذج لذلك نشير إلى قِصَّة يونس على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام، فهو حينما غضب على قومه الكفرة الفجرة، وكان غضبه لله لم يستطع الصبر على ذلك حتّى دعا عليهم، وهذا أمر لو صدر من أحدنا لشكرنا الله عليه، ولكُنَّا بذلك من الممدوحين، ولكنّ الله تعالى أدّبه على ذلك بسجنه في بطن الحوت، وقال: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِن الْمُسَبِّحِينَ  * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. وذلك لا  لشيء إلاّ لأنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، ولا لشيء إلاّ لأ نّه كان يتوقّع منه أن يكون أوسع صدراً من ذلك. وهذه مسؤوليّة لا نتحمل نحن عُشراً من معشارها.

وهذا رسول الله  قد أذِنَ للبعض بهدف المداراة وحسن السلوك مع الناس; لتقريبهم بذلك إلى الله الأمر الذي لو صدر من أحدنا لكُنّا من الممدوحين والمشكور على عملهم، ولكنّ الله تعالى أدّبه فأحسن تأديبه حينما قال: {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}.

 

أسئلة الدرس الثالث

س1: مع إن الله سبحانه يخبرنا في كتابه الكريم { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر...}، ولكن نرى بعض الناس لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر؟

س2: لو ان إنساناً لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، هل يستطيع ترك الصلاة؟

س3: إذكر بعضاً من أحوال أهل العصمة والطهارة عليهم السلام حال الصلاة؟

س4: هل يستطيع أي إنسان أن يصلي ركعتين، دون أن يحدث نفسه إطلاقاً بأي شيء من حديث الدنيا؟ وهل يوجد من فعل ذلك؟

س5: ما هي أهمية إستقبال الكعبة المشرفة في الصلاة؟

س6: ما هي أهمية تكبيرة الاحرام في الصلاة؟

س7: ما هي اهمية قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة؟

س8: ما هو اهمية الركوع والسجود في الصلاة، وكيف توحد هذه العبادة جميع البشر؟

س9: ما هي طرق تحصيل حضور القلب في الصلاة؟

س10: ما هي أهمية التدرج في السلوك وتهذيب النفس؟

س11: إذا تقدم المؤمن في تهذيب نفسه هل تقل مسؤولياته؟

 

 

 

  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية