الدرس الثالث المنهج العلمي لإثبات الله تعالى (برهان النظم)
بحوث مستلّة من كتاب أصول الدين للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسيني الحائري (دام ظله)
المنهج العلمي لإثبات الصانع هو منهج حساب الاحتمالات وتجميع قرائن الحكمة ودلائل القصد أو قل: برهان النظم، ولعلّه أكثر الأدلّة بروزاً في القرآن الكريم وفي الروايات، وتوحيد المفضّل المعروف رواية واسعة وشاملة لكثير من دلائل القصد وآيات الحكمة وقرائن الشعور.
مميّزات المنهج العلمي
يمتاز هذا البرهان عن البراهين الفلسفية بعدّة مميّزات:
الاُولى: إنّ البراهين الفلسفية تملأ العقل، وهذا البرهان يملأ الوجدان والعقل.
الثانية: إنّ البراهين الفلسفية قد تبتعد عن فهم الناس الاعتياديين وتختصّ بأصحاب التفكير الدقيق، في حين أنّ هذا البرهان لايختلف فيه الساذج البسيط عن المفكّر العبقريّ.
الثالثة: إنّ البراهين الفلسفية ربّما لا تخلو من جفاف الابتعاد عن مخاطبة العواطف، في حين أنّ هذا البرهان يمتلك الطرواة والنداوة والتجاوب مع العواطف والأحاسيس.
الرابعة: إنّ هذا البرهان في نموّ مستمرّ; لأنّ دلائل القصد تكتشف في كلّ يوم بأكثر ممّا كانت مكتشفة من ذي قبل; وذلك ببركة تقدّم العلم والتجارب : {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}، {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
وعلى هذا الأساس نعتقد أنّ العلم ـ بمعنى علم الطبيعة ـ يدعو إلى الإيمان، ولعله يشير إلى ذلك قوله سبحانه تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَات مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالاَْنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}، فإنّ الإشارة في صدر الآية إلى الآيات الطبيعية: من إنزال المطر وإخراج الثمرات واختلاف ألوانها واختلاف ألوان الطُرق الجبلية الحاكية عن المعادن الأرضية المختلفة تناسب أن يكون المقصود بالعلماء في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} هم علماء الطبيعة الذين يكتشفون أسرارها باستمرار.
الخامسة: إنّ البراهين الفلسفية بالقدر الذي شرحناها اقتصرت على إثبات الله، وأمّا صفاته تعالى فقد أجّلنا البحث عنها لما بعد الفراغ من بحث التوحيد، في حين أنّ هذا البرهان يمرّ في طريقه لإثبات الله على إثبات الحكمة والعلم والإدراك; لأنّه إنّما يثبت الله عن طريق آثار حكمته وعلمه: قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاْفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيد}، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّة وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَات لِّقَوْم يَعْقِلُون}، {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِير}.
تحليل برهان النظم
وبرهان النظم يمكن تحليله إلى مقدّمتين:
المقدّمة الاُولى: أنّه لا إشكال في أنّ آثار العقل والشعور ونتائج النظم والحكمة تدلّ على عقل الفاعل وحكمته، ولا يحمل كلّ ما صدر عنه من الحركات المعقولة الحكيمة على مجرّد الصدفة.
المقدّمة الثانية: إنّ النظم الحاكم في العالم وقرائن الحكمة والقصد فيه تفوق كلّ علامات العلم والعبقريّة في تصرّفات أيّ عبقريّ في العالم بشكل لو قسنا علامات نبوغ هذا العبقريّ أو ذاك في أفعاله إلى نظم العالم وإتقانه وحكمته لكانت النسبة أصغر من نسبة القطرة إلى البحر، فلا يبقى شكّ في أنّ العالم مصنوع لعليم حكيم خبير.
أمّا المقدّمة الاُولى: فلها أحد جذرين:
الأوّل: ما يذكر في المنطق الصوري من أنّ الصدفة يستحيل بالبداهة أن تكون أكثرية، فلئن كان الفاعل إنساناً مجنوناً لا يعي ما يفعل ولا يقصد هدفاً معقولاً من وراء فعله، ومع ذلك لم تر في آلاف من تصرّفاته إلاّ ما يناسب القصد والشعور لكان معنى ذلك أنّ الصدفة أصبحت أكثرية أو دائمية، وقد قلنا: إنّ هذا محال.
الثاني: ما هو مختار اُستاذنا الشهيد وقد حقّقه ونقّحه بما لا مزيد عليه في كتابه (الاُسس المنطقية) من إرجاع ذلك إلى حساب الاحتمالات على أساس أنّ احتمال الصدفة في كلّ جزئيّ من جزئيات تصرّف هذا الشخص يساوي النصف مثلاً، فلو ضرب في قيمة احتمال ما يماثله في جزئي آخر تنزّل احتمال مجموع الصدفتين إلى الربع، وهكذا يزداد ضرب الاحتمال بعدد الجزئيات التي تفوق ملايين المرّات، وبالنتيجة يضعف احتمال الصدفة إلى ما يصعب حسابه ويكاد أن يسمّى بما لا نهاية له، وبالتالي يضمحلّ هذا الاحتمال من النفس وفق نُظم وقوانين مشروحة في كتاب الاُسس المنطقية، ولا مجال لنا هنا لشرحها وإنّما نكتفي بوجدانيّة ذلك في نفس كلّ إنسان في مجموعة حياته ومواقفه باتجاه اُمور تكتشف ليل نهار عن طريق حساب الاحتمالات.
وعلى كلّ واحد من هذين الفرضين ـ أعني فرض استحالة أكثرية الصدف بداهةً، أو فرض حساب الاحتمالات ـ فالمهم أنّه لا شك لدى كلّ عاقل سويّ متعارف في صحّة هذه المقدّمة.
وأمّا المقدّمة الثانية: وهي نظم العالم وإتقانه ودلائل القصد والحكمة والحنكة فيه، فهذا الأثر أمر واضح ومحسوس بالعيان في الآفاق والأنفس جميعاً، وحمل ذلك على الصدفة الحاصلة من الطبيعة العمياء يفوق في سخفه وغرابته آلاف المرّات على حدّ تعبير اُستاذنا الشهيد من سخف من يجد ديواناً ضخماً من أروع الشعر وأرقاه أو كتاباً علميّاً زاخراً بالأسرار والاكتشافات، فيزعم أنّ طفلاً كان يلعب بالقلم على الورق فاتّفق أن ترتّبت الحروف فتكوّن منها ديوان شعر، أو كتاب علم.
أسئلة الدرس الثالث
س1: على ماذا يعتمد المنهج العلمي لأثبات وجود الله سبحانه؟
س2: تحت أي عنوان يمكن جمع الأدلة العلمية (قرائن الحكمة، حساب الاحتمالات، دلائل القصد ) لأثبات الصانع؟
س3: ما هي ميزات المنهج العلمي على المنهج الفلسفي؟
س4: هل يمكن تحليل برهان النظم الى مقدمتين؟
س5: هل يمكن حساب كل ما صدر في هذا العالم الى الصدفة؟
س6: هل يمكن إعتبار ما صدر في هذا العالم من دلائل العبقرية الفذة؟
س7: الأنسان المجنون هل هو بالمطلق لا يقصد هدفاً معقولاً من وراء افعاله، أم أنه يقصد في بعض أفعاله؟

