الدرس الرابع نزر يسير من آثار الحكمة والقصد
بحوث مستلّة من كتاب أصول الدين للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسيني الحائري (دام ظله)
إليك نزر يسير من آثار الحكمة والقصد في العالم ضمن عدّة أمثلة:
الأوّل ـ ظاهرة الحياة فوق الأرض:
تكوّنت الحياة فوق الأرض نتيجة لاجتماع شروط كثيرة كلّ واحد منها بمنزلة جزء علّة للحياة وتستحيل الحياة بفقدانه، وهذه الشروط منها ما يرتبط بالفلك، ومنها ما يرتبط بالهواء والغازات، ومنها ما يرتبط بالأرض وما فيها من نبات وحيوان وجماد، وهذه الشروط من الكثرة بدرجة يكون احتمال اجتماعها بالترتيب والتنسيق الذي يؤدّي إلى استقرار الحياة عن طريق الصدفة احتمالاً واحداً في مقابل ما لا يحصى من الاحتمالات، وبالغاً في الضئالة ما لا يقبل الانحفاظ في الوجدان البشري. وهنا نشير إلى أقلّ القليل منها:
1- تبتعد الأرض عن الشمس 93 مليون ميل فتكون الحرارة التي تصلها من الشمس بمقدار يلائم الحياة ومتطلّباتها، فقد لوحظ علمياً أنّ المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس لو كانت ضِعف ما عليها الآن لما وجدت الحرارة بالمقدار الذي يتيح الحياة، ولو كانت نصف ما عليها الآن لتضاعفت الحرارة إلى درجة لا تطيقها الحياة.
2- يحيط بالأرض التي نعيش على متنها غلاف سميك من الغازات يسمّى بالغلاف الجوّي يبلغ سمكه ثمان مئة كيلومتر، وهو بمنزلة مظلّة واقية تصون الكرة الأرضية من التعرّض لخطر النيازك التي تنفصل يومياً من الكواكب وتتناثر في الفضاء منذ ما يقرب من عشرين مليوناً من السنين، ولولا هذا الغلاف لسقطت على كلّ بقعة من الأرض ملايين النيازك المحرقة».
وجاء ما يقرب منه في الفتاوى الواضحة لاُستاذنا الشهيد وهو مايلي:
نلاحظ أنّ الهواء كمّيّة محدودة في الأرض قد لا يزيد على جزء من مليون من كتلة الكرة الأرضية، وهذه الكميّة بالضبط تتوافق مع تيسير الحياة للإنسان على الأرض، فلو زادت نسبة الهواء على ذلك أو قلّت لتعذّرت الحياة أو تعسّرت; فإنّ زيادتها تعني ازدياد ضغط الهواء على الإنسان الذي قد يصل إلى ما لا يطاق، وقلّتها تعني فسح المجال للشهب التي تتراءى في كلّ يوم لإهلاك من على الأرض واختراقها بسهولة.
3- إنّ الهواء الذي نستنشقه مزيج من غازات شتّى منها: النيتروجين 78%، والاُوكسجين 21%، فلو تغيّر المقدار وصارت نسبة الاُوكسجين في الهواء 50% لتبدّلت جميع الموادّ القابلة للاشتعال إلى موادّ محرقة، ولبلغ الأمر إلى درجة لو أصابت شرارةٌ غابةً لاحترقت جميع ما فيها دون أن تترك غصناً يابساً، ولو تضاءلت نسبة الاُوكسجين في الهواء لتعذّرت الحياة أو صعبت ولما توفّرت النار بالدرجة الكافية لتيسير مهمّاتها، ولولا أنّ الأرض تحتجز قسماً كبيراً من الاُوكسجين على شكل مركبات لكانت نسبة الاُوكسجين في الهواء أكثر بكثير مما هو الآن، ولكن قشرة الأرض والمحيطات تحتجز ـ على شكل مركبات ـ الجزء الأعظم من الاُوكسجين حتى إنّه يكوّن ثمانية من عشرة من جميع المياه في العالم، ويبقى جزء محدود من الاُوكسجين طليقاً يساهم في تكوين الهواء، وهذا الجزء يحقّق شرطاً ضرورياً من شروط الحياة عن طريق التنفّس.
4- هناك تبادل طريف بين الحيوانات بما فيها الإنسان من ناحية، والنباتات من ناحية اُخرى في مساعدة كلّ منهما على حياة الآخر، فلولا الأوّل لانعدم الثاني ولولا الثاني لانعدم الأوّل. وتوضيح ذلك: أنّ النباتات بحاجة إلى التنفّس بثاني اُوكسيد الكربون، والحيوانات بحاجة إلى التنفّس بالاُوكسجين، والحيوان عموماً حينما يتنفّس الهواء ويستنشق الاُوكسجين يتلقّاه الدم ويوزّع في جميع أرجاء الجسم، ويباشر هذا الاُوكسجين في حرق الطعام، وبهذا يتولّد ثاني اُوكسيد الكربون الذي يتسلّل إلى الرئتين ثم يلفظه الإنسان أو الحيوان، وبهذا ينتج الإنسان وغيره من الحيوانات هذا الغاز باستمرار والذي يكون شرطاً ضرورياً لحياة كلّ نبات. والنبات بدوره حين يستمدّ ثاني اُوكسيد كربون يحلّله إلى كربون واُوكسجين، ويحتفظ النبات بالكربون ليصنع منه ومن غيره من الموادّ الفواكه والأثمار والأزهار، ويلفظ الاُوكسجين ليعود نقيّاً صالحاً لاستنشاق الإنسان والحيوان من جديد، ولولا الحيوان بمعناه العامّ لنفدت المواد الكربونية باستنشاق النباتات، ولولا النبات لنفد الاُوكسجين باستنشاق الحيوانات، ومعنى ذلك انقراض كلا النسلين في وقت سريع. فسبحان من راعى هذه الموازنة واحتفظ بها.
5- لو كانت الأرض أكثر سمكاً ممّا هي الآن لامتصّت الاُوكسجين وثاني اُوكسيد الكربون أكثر ممّا عليه، ولهلك النبات والحيوان والإنسان، ولو كانت الأرض أقلّ سمكاً ممّا هي الآن لفاض الاُوكسجين أو ثاني اُوكسيد الكربون وأدّى ذلك إلى أضرار زيادتهما.
6- ظاهرة الزوجية على العموم والتطابق الكامل بين التركيب الفسلجي للذكر والتركيب الفسلجي لاُنثاه في الإنسان، وأقسام الحيوانات والنبات هي الاُخرى مظهر كونيّ للتوافق بين الطبيعة ومهمّة تيسير الحياة.
وقبل أن يكشف العلم النقاب عن شمول ظاهرة الزوجية لغير الحيوانات كشف القرآن النقاب عن ذلك فقال: {وَمِن كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون}، وقال: {وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْن}.
والتلقيح بين الزوجين قد يتمّ بصورة إرادية أو غريزية كما في الإنسان والحيوان، وكان هذا أمراً محسوساً منذ اليوم الأوّل، وقد يتمّ عن طريق الرياح، وهذا ما كشف عنه القرآن قبل أن يصل العلم إليه على ما يظهر لنا من قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِح}، وقد يتمّ عن طريق الحشرات، وقد لوحظ أنّ الأزهار التي ترك تلقيحها للحشرات قد زوّدت بعناصر الجمال والجذب من اللون الزاهي والعطر المغري بنحو يتفق مع جذب الحشرة إلى الزهرة وتيسير عملية التلقيح، بينما لا تتميز الأزهار التي يحمل الهواء لقاحها عادة بعناصر الإغراء.
الثاني ـ جهاز الإبصار:
يشبّه جهاز الإبصار في الإنسان عادة بجهاز التصوير المادّي الصناعي، في حين أنّ جهاز التصوير في العالم لو قيس بجهاز الإبصار كان بمنزلة أداة لعب من ألعاب الأطفال في مقابل جهاز حقيقي. وجهاز التصوير يشتمل على عدسة ثابتة لابدّ لتصوير الظواهر المختلفة من تحريكها من قبل المصوّر بدقّة كاملة في إتقان هذا التحريك وتطبيقه على حالة تلك الظواهر، ولكن عدسة العين الواقعة خلف إنسان العين تتحرّك بذاتها وتتغيّر تبعاً لما يناسب وضع الظاهرة التي اُريد إبصارها; لأنّها عضو حيّ ويصغر قطرها لحدّ واحد ونصف ميليمتر ويتّسع لحدّ ثمانية ميليمترات لقرب أو بعد الظاهرة التي اُريد إبصارها، وهذه العدسة تعكس النور على شبكة مؤلّفة من سبع طبقات منفصلة عن بعضها، ولا يبلغ سمك مجموعها ما يزيد على ورقة رقيقة، وتلك الطبقات هي المعروفة بالصلبية ـ وهي بياض العين ـ والعنبيّة والمشيميّة والجلديّة والزلاليّة والزجاجيّة والشبكيّة، ولكلّ واحدة منها بناؤها المتقن الدقيق، وأقل إخلال في أيّ واحدة منها يفسد الإبصار. وآخر طبقات هذه الشبكة تتكوّن من ثلاثين مليوناً من الأعواد وثلاثة ملايين من المخروطات، وقد نظّمت هذه الأعواد والمخروطات تنظيماً محكماً رائعاً إلاّ أنّ الأشعّة الضوئية ترتسم عليها بصورة معكوسة، فزوّد جهاز الإبصار وراء تلك الشبكة بملايين من خويطات الأعصاب، وعندها تحدث بعض التغييرات التي يتدارك بها ما أشرنا إليه من انعكاس الصورة بشكل مقلوب، وأخيراً يتمّ إدراك الصورة بوضعها الصحيح. وهذا جزءٌ من كلّ في مقام توضيح عمليّة الإبصار، فهل يكون هذا الجهاز الجبّار الذي يضمن عملية الإبصار بأفضل وجه من فعل المادّة على غير هدى وقصد مع أنّ مجرد كشفه يحتاج إلى جهود فكريّة جبّارة؟!
الثالث ـ جهاز الهضم:
قال اُستاذنا الشهيد الصدر : «جهاز الهضم أعظم معمل كيميائي في العالم بما يتفنّن به من أساليب تحليل الأغذية المختلفة تحليلاً كيميائياً مدهشاً، وتوزيع الموادّ الغذائية الصالحة توزيعاً عادلاً على بلايين الخلايا الحيّة التي يأتلف منها جسم الإنسان، إذ تتلقّى كلّ خليّة مقدار حاجتها، فيتحول إلى عظام وشعر وأسنان وأظافر وأعصاب طبق خطّة مرسومة للوظائف المفروضة عليها في نظام لم تعرف الإنسانية أدقّ منه وأروع.
الرابع ـ الخليّة:
قد كشف العلم الحديث النقاب عن الخليّة، وعن تكوّن جسم الإنسان في المعدّل المتوسّط من عشرة ملايين مليار خليّة حيّة.
وأوّل من كشف الخليّة هو عالم يسمّى هوك في القرن السابع عشر الميلادي، ولم يكن يعرف وقتئذ أنّ الخليّة التي اكتشفها تحتوي الواحدة منها على نظام ملتو معقّد محيّر للعقول، والعلماء الذين جاءوا بعده وحذوا حذوه في كشف أسرار الجسم عرفوا أنّ كلّ خليّة لا ترى بغير المجهر ممكن تشبيهها ببلد يحتوي على آلاف المعامل والتأسيسات لتبديل الموادّ الغذائية إلى الموادّ التي يحتاجها الجسم، ولا يمكن أن يقاس أعظم وأحدث المصانع البشرية بهذا المصنع.
وهذا البلد الصغير حجماً، العظيم نظماً ـ الخليّة ـ مؤلّف من ثلاثة أقسام:
الأوّل: القشر وهو بمنزلة جدار البلد.
الثاني: مادّة بيضاء داخل الخليّة.
الثالث: نواتها التي تنظّم كلّ أوضاع الخليّة.
وقشر الخليّة يبلغ من الدقّة والرقّة ما لو ضوعف حجمه خمس مئة ألف مرّة لا يزيد حجمه عن ورقة اعتيادية، وهذه القشرة الرقيقة الدقيقة تقاوم هجوم العوامل الخارجية المزاحمة وكأنّها أحكم من جدار برلين.
وهذا السدّ الخفيف مؤلّف من ثلاثة جدران، أو قل: من قشور ثلاثة، ففي كلّ من طرفيه شبكة من البروتين، وما تحتها مملوء بمادّة دهنية تمنع عن ورود أيّ وارد إلى هذا البلد إلاّ الذي يحمل كلمة السّر، وهي أن يقدر ذاك الوارد على تذويب تلك المادّة فذلك آية أنّه صديق وليس عدوّا فيسمح له بالدخول.
وفي داخل هذا البلد قنوات تبدأ من الجدار وتنتهي إلى أطراف النواة، تجري فيها الموادّ الغذائية وتتحوّل إلى بروتينات، ويدخل في هذه القنوات ثلاثة وعشرون نوعاً من الأسيد ويتحصّل البروتين من تركيب عدد من تلك الأنواع.
أمّا النواة المركزية لهذه الخليّة فهي مؤلّفة من طبقات لو قيست إليها ناطحات السحاب في العالم المكوّنة من آلاف الطبقات لعدّت تلك القصور بيوتاً محقّرة.
وتلك النواة مؤلّفة من غشاء وماء وخيوط دقيقة لكلّ واحد منها تكليف معيّن يقوم به.
وهذه النواة مشتملة على جينات تصل في عددها إلى خمسة وعشرين ألفاً، وهي المسيطرة على أعمال الخليّة وعلى أعمال البدن أجمع، ومنها تنقل الصفات الوراثية إلى النسل.
وكلّ واحد من هذه الجينات مؤلّف من ثلاثين ألفاً إلى خمسين ألف طبقة، والعظمة لله الواحد القهّار.
أتزعم أنّك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
دواؤك فيك وما تشعر
وداؤك منك وما تُبصر
وأنت الكتاب المبين الذي
بأحرفه يظهر المضمر
وأختم الحديث عن الخلايا بكلمة اُستاذنا الشهيد إذ قال: «ونظرة واحدة إلى تلك الخلايا الحيّة التي تنطوي على سرّ الحياة تملأ النفس دهشةً وإعجاباً بالخليّة حين تتكيّف بمقتضيات موضعها وظروفها، فكأنّ كلّ خليّة تعرف هندسة العضو الذي تتوفّر على إيجاده مع سائر الخلايا المشتركة معها في ذلك العضو، وتدرك وظيفته وكيف يجب أن يكون.
الخامس ـ اللسان:
من الوظائف المحيّرة للسان ما يلي:
1- إرسال الغذاء تحت الأسنان; ولولا ذلك لكان بعض أجزاء اللقمة منفلتاً عن مضغ الأسنان، ولكنّا بحاجة إلى تحريك أجزاء اللقمة في الفم بواسطة الإصبع كي تصل تحت الأسنان، ولكن اللسان يتكفّل هذه المهمّة بمهارة كاملة من دون أن يقع هو تحت ضربات الأسنان، وقد يتفق نادراً بسبب غفلة الإنسان أن يقع اللسان تحت الأسنان وينجرح بضغط الأسنان، ولعل الله يريد بذلك أن تتضح لنا عظمة مهارة اللسان التي لولاها لاستفحلت مصيبة اللسان تحت ضغط الأسنان.
2- خلط اللقمة ببزاق الفم المؤثّر في سهولة بلع الغذاء من ناحية، والمولّد لفعل كيماويّ مساعد على الهضم من ناحية اُخرى.
3- الاستعانة به في بلع الغذاء بل والماء، ولولا اللسان لتعسّر أو تعذّر بلع لقمة واحدة.
4- تذوّق الطعام لتشخيص كثير من الأغذية الفاسدة أو المضرّة كي يمتنع الإنسان عن أكلها.
5- تنظيف الفم بعد الانتهاء من الأكل.
التكلّم، وهو يتمّ بالتعاون بين المخّ والشفة واللسان والحنجرة.
وقد اعتبره الله تعالى آية من آياته الباهرة في قوله: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الاِْنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَان}.
فالفكر يختار أوّلاً من بين مئات الآلاف أو الأكثر من الكلمات أوّل كلمة يريد الشخص أن يلفظها، فيأمر اللسان أن يتحرّك بكلّ سرعة ودقّة على مخارج حروف تلك الكلمة، ثم يختار بالسرعة نفسها الكلمة الثانية ويعيد العملية بواسطة اللسان، وهكذا إلى أن تنتهي الجملة المقصودة وبمعونة الشفة والحنجرة وأوتار الصوت، وحينما يقع صدفة أقلّ خطأ للفكر في اختيار الكلمات أو اللسان في طريقة التحرك تخرج الجملة ملحونة.
السادس ـ المخّ:
لا أستطيع أن أتحدّث عن عظمة المخّ وعن أقسامه المرتبطة بالفكر والإدراك والذاكرة والإرادة والعواطف، ثم تأشيره اللازم على أعصاب البدن كافّة بوظائفها الخاصة حتى إنّ الخلل في بعض أجزائه يوجب الشلل في قسم من الأعصاب، والعظمة لله الواحد القهّار.
ولكنّي أكتفي بالقول بأنّ مِن أبدع ما صنعه البشر، وكان صنعه هذا بواسطة مخّه الجبّار الذي آتاه الله إياه، هو ما يسمّى بالعقل الالكتروني والذي يفترض عملاً جبّاراً وهو يفقد الإرادة والعواطف وإدارة الأعصاب، كما أنّه ليس له الإدراك ولا الذاكرة إلاّ ما يكون شبيهاً بهذا أو بذاك ممّا يكون مؤشِّراً إعدادياً لإدراك الناس أو تذكّرهم للاُمور بمخّهم الذي أكرمهم الله تعالى به.
وقد روي عن مصمّم العقل الالكتروني كلودم هزاوي قوله: «طُلب منّي قبل عدّة سنوات القيام بتصميم آلة حاسبة كهربائيّة تستطيع أن تحلّ الفرضيات والمعادلات المعقّدة ذات البعدين، واستفدت لهذا الغرض من مئات الأدوات واللوازم الالكتروميكانيكيّة، وكان نتاج عملي وسعيي هذا هو العقل الالكتروني، وبعد سنوات متمادية صرفتها لإنجاز هذا العمل وتحمّل شتّى المصاعب، وأنا أسعى لصنع جهاز صغير، يصعب عليّ أن أتقبّل هذه الفكرة وهي: أنّ الجهاز هذا يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى مصمّم...
فلئن كان العقل الالكتروني الذي ليس في مقابل المخّ إلاّ كجهاز من أجهزة لعب الأطفال لا يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه فما رأيك في المخّ الذي أبدعه الله تعالى بهذا الإبداع الرائع؟! {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَل مُّبِين}.
أختم حديثي عن آيات الله سبحانه وتعالى بالكلمة المرويّة عن الإمام الرضا : «إنّي لمّا نظرت إلى جسدي فلم يُمكنّي زيادة ولا نقصان في العرض والطول ودفع المكاره عنه وجرّ المنفعة إليه علمت أنّ لهذا البنيان بانياً، فأقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات علمت أنّ لهذا مقدِّراً ومُنشئاً».
وهنا أترك الحديث عن آيات الله ودلائل قصده وحكمته علماً بأنّ هذا البحث لو مُدّد إلى يوم القيامة لما بلغ منتهاه:
{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}، {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم}.
أسئلة الدرس الرابع
س1: تحدث عن بعض آثار الحكمة والقصد في هذا العالم لدى الخالق؟
س2: كيف تكون ظاهرة الحياة فوق الارض دليلاً على الحكمة لدى الصانع؟
س3: حسب وظيفة جهاز الهظم وتحليله للأغذية وتوزيعها على الجسم حسب الحاجة، هل يمكن إعادة هذا الجهاز الى صانع حكيم يقصد من وراء إيجاده؟
س4: عندما كشف العلم الحديث النقاب عن الخلية هل بين لك هذا الاكتشاف عن وجود صانع حكيم.... كيف؟
س5: كيف تعرف حكمة الصانع الخبير من خلال وضائف اللسان؟
س6: البعض ممن أنعم الله عليهم بالهدى والايمان عندما يتحدثون عن المخ يختمون حديثهم بالقول (والعظمة لله سبحانه) فهل عظمة صنع المخ ووظائفه دليل لك على شيء في هذا الوجود؟

